بقلم زكية لعروسي, باريس
في عالم تتكاثر فيه الحروب أسرع من مبادرات السلام، وتعلو فيه أصوات المدافع أكثر من أصوات الدّبلوماسية، قد يبدو الحديث عن عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة موضوعا تقنيا يخص الخبراء والجنرالات والدّبلوماسيين. لكنّ الحقيقة أعمق بكثير. فحين يستقبل المغرب مسؤولا أمميا رفيع المستوى مكلّفا بعمليات السلام، لا يتعلق الأمر بمجرد لقاء بروتوكولي أو محطة دبلوماسية. إنه مؤشر على مكانة دولة استطاعت عبر عقود أن تنتقل من موقع المتابع للأزمات الدولية إلى موقع المساهم في إدارة الاستقرار العالمي. وهنا تكمن القصّة الحقيقية.
في العلاقات الدولية، وزن الدول يختبر بقدرتها على إنتاج الاستقرار. وفي عالم يشهد تراجعا متزايدا في الثقة بين القوى الكبرى، أصبحت الدّول القادرة على لعب دور الوسيط أو المساهم في السلّم الدّولي تكتسب أهمية مضاعفة. لقد فهم المغرب مبكّرا أن النفوذ الحديث لا يبنى فقط عبر الاقتصاد أو القوة العسكرية. بل عبر ما يمكن تسميّته “رأسمال الثقة الدولية”. هذا الرأسمال لا يشترى. بل يراكم عبر عقود من المواقف المتّزنة والالتزامات المستمرة. قد يبدو الجواب بسيطا: من أجل السلام. لكن في الواقع، توجد مستويات أعمق.

عمليات حفظ السلام ليست عملا خيريا دوليا. إنها أيضا استثمار استراتيجي في الأمن الجماعي. فالدّول التي تساهم في استقرار مناطق النّزاع تدرك أن الفوضى لم تعد محلية. الإرهاب يعبر الحدود. الهجرة غير النظامية تعبر الحدود. الجريمة المنظمة تعبر الحدود. والأزمات الإنسانية تعبر الحدود. لذلك فإن المساهمة في استقرار مناطق النزاع البعيدة قد تكون في النهاية دفاعا استباقيا عن الأمن الوطني نفسه. منذ ستّينيات القرن الماضي، ارتبط الحضور المغربي في بعثات الأمم المتحدة بفلسفة سياسية واضحة: الاستقرار ليس سلعة محلية. إنّه منظومة مترابطة. فالدولة التي تنعم بالأمن لا تستطيع أن تنفصل بالكامل عن محيط دولي مضطرب. ومن هنا جاء الانخراط المغربي في العديد من بعثات الأمم المتحدة في إفريقيا ومناطق أخرى من العالم. إنها ليست سياسة ظرفية. بل جزء من رؤية استراتيجية طويلة المدى.
زيارة المسؤول الأممي تأتي في سياق عالمي بالغ الحساسية. اليوم تواجه الأمم المتحدة واحدة من أصعب المراحل منذ نهاية الحرب الباردة. فالعالم يشهد: حربا في أوروبا. توترات متصاعدة في الشرق الأوسط. أزمات متكررة في إفريقيا. منافسة متزايدة بين القوى الكبرى. تراجعا في الثقة بالنظام الدولي. في هذا السياق لم يعد السؤال: كيف تدير الأمم المتحدة الأزمات؟ بل: هل ما زالت تمتلك الأدوات الكافية لإدارتها؟ هنا تظهر أهمية التحولات الجارية داخل الأمم المتحدة. لقد أصبح واضحاً أن إرسال قوات زرقاء إلى مناطق النزاع لم يعد كافيا. فالسلام الحقيقي لا يفرض بالسلاح وحده. بل يُنى عبر: المؤسسات. التنمية. المصالحة. الحكم الرشيد. العدالة. ولهذا لم يعد الحديث يدور فقط حول “حفظ السلام”، بل حول “بناء السلام”. والفرق بين المفهومين كبير. الأول يمنع الانفجار. أما الثاني فيمنع عودة الانفجار. في الأدبيات الاستراتيجية الحديثة يكثر الحديث عن القوة الناعمة. لكن هناك نوع آخر أقل ضجيجاً وأكثر تأثيرا: القوة الهادئة. وهي القدرة على بناء الثقة دون استعراض. وعلى التأثير دون صدام. وعلى الحضور دون فرض الهيمنة.

لقد نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في بناء صورة دولة مستقرة، موثوقة، وقادرة على التحدث مع أطراف متعددة داخل إفريقيا والعالم العربي وأوروبا. وهذا النوع من الرصيد أصبح نادراً في زمن الاستقطاب الحاد. لا يمكن فهم الدور المغربي في عمليات السلام دون فهم البعد الإفريقي. إفريقيا ليست مجرد عمق جغرافي للمملكة. إنها عمق استراتيجي. وفي العقود المقبلة ستصبح القارة واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي. من يساهم اليوم في استقرار إفريقيا يساهم عمليا في رسم ملامح النظام الدولي غدا. ومن هنا تكتسب المساهمة المغربية في جهود السلام والتنمية بالقارة أهمية تتجاوز بعدها الإنساني. مبادرات إصلاح الأمم المتحدة تعكس اعترافاً ضمنياً بأن النظام الدولي الحالي يعاني من إرهاق بنيوي. لكن الإصلاح يطرح أسئلة صعبة: هل تستطيع الأمم المتحدة أن تصبح أكثر فعالية؟ هل يمكن إعادة الاعتبار للعمل متعدد الأطراف؟ هل ما زالت الدول الكبرى مستعدة لمنح المؤسسات الدولية مساحة أوسع للتحرك؟
هذه الأسئلة ستحدد شكل الأمن العالمي خلال العقود القادمة. في السّياسة العالمية توجد أنواع متعدّدة من القوة: قوة عسكرية. قوة اقتصادية. قوة تكنولوجية. لكن هناك قوة أخرى غالبا ما يتمّ تجاهلها: قوة الشّرعية. أي القدرة على أن ينظر إلى الدّولة باعتبارها فاعلا مسؤولا وموثوقا. هذه القوّة لا تظهر في الإحصاءات. لكنّها تفتح أبواب التّأثير. وتمنح الدّول هامشا أكبر للحركة الدّبلوماسية. ويبدو أنّ المغرب يسعى إلى تعزيز هذا النّوع من القوّة عبر انخراطه المستمر في قضايا السّلام والأمن الدّوليين.
في عالم يزداد انقساما يبقى السؤال الأكبر، هل ستبقى عمليات حفظ السلام أداة فعالة؟ أم أنّنا ندخل مرحلة يصبح فيها السّلام نفسه أكثر تعقيدا من الحرب؟ ربما يكون هذا هو التحدّي الحقيقي للأمم المتّحدة وللدّول المساهمة فيها. فالحروب الحديثة لم تعد فقط صراعات بين جيوش. بل أصبحت مزيجا من الإرهاب، والحروب السيبرانية، والانقسامات المجتمعيّة، والأزمات الاقتصادية. وهذا يتطلب تعريفا جديدا للسلام نفسه. إنّ حضور المغرب المتواصل في عمليّات حفظ السّلام لا يمكن قراءته فقط من زاويّة المساهمة العسكرية أو التقنيّة. إنّه جزء من تصور أوسع لمكانة المملكة في العالم. تصوّر يقوم على فكرة أن الأمن والاستقرار ليسا مجرّد هدفين داخليين، بل مسؤولية دوليّة مشتركة. وفي زمن تتراجع فيه الثّقة بين الأمم، وتزداد فيه النزاعات تعقيدا، تبرز قيمة الدّول التي تراهن على الحوار، والتعاون، والعمل متعدد الأطراف. ذلك أنّ القوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين قد لا تكون دائما في امتلاك أكبر الجيوش. بل في القدرة على المساهمة في بناء السلام عندما يعجز الآخرون عن ذلك.
📲 Partager sur WhatsApp