عندما تستيقظ أشباح التسعينيات: اليمن الجنوبي

بقلم زكية لعروسي, باريس

في السياسة، كما في الجيولوجيا، لا تحدث الزلازل لحظة انكسار الصخور فقط، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة داخل الشقوق غير المرئية. وما يجري اليوم في جنوب اليمن لا يبدو مجرد سلسلة حوادث أمنية متفرقة أو اغتيالات معزولة أو انفجارات غامضة، بل قد يكون مؤشرا على حركة أعمق بكثير داخل البنية الجيوسياسية للمنطقة بأسرها.هناك لحظات في التاريخ تشبه عودة الأشباح. ليست عودة الأفراد أو التنظيمات فحسب، بل عودة الظروف التي صنعتها. فالخطر الحقيقي لا يكمن في ظهور مجموعة متطرفة هنا أو خلية مسلحة هناك، بل في عودة البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تجعل التطرف ممكناً ومغرياً وقابلاً للنمو. وهذا ما يثير القلق اليوم في عدن وحضرموت وأبين وشبوة. فاليمن ليس دولة عادية في الحسابات الاستراتيجية. إنه عقدة جغرافية تربط الخليج بالقرن الإفريقي والبحر الأحمر بالمحيط الهندي. ومن يسيطر على استقراره أو فوضاه يمتلك تأثيرا يتجاوز حدوده بكثير. من هنا يصبح السؤال أكثر أهمية من الحوادث نفسها: هل نحن أمام أزمة أمنية مؤقتة؟ أم أمام بداية تشكل مرحلة جديدة من عدم الاستقرار؟

لفهم ما يجري، ينبغي العودة إلى التسعينيات، ليس بوصفها فترة زمنية فقط، بل بوصفها لحظة تأسيسية للواقع اليمني المعاصر. بعد وحدة اليمن عام 1990 ثم حرب صيف 1994، تشكلت بيئات معقدة اختلطت فيها الصراعات السياسية بالحسابات الإقليمية وبعودة مقاتلين من ساحات حروب مختلفة. في تلك المرحلة، لم يكن التطرف مجرد ظاهرة دينية، بل أصبح أداة داخل توازنات السلطة نفسها. وهنا تكمن خطورة المقارنات التي يثيرها بعض المحللين اليمنيين اليوم. إنهم لا يحذرون من عودة التنظيمات فقط، بل من إعادة إنتاج الشروط التي سمحت لها بالظهور أول مرة. فحين تتراجع الدولة، وتتسع الهوة الاقتصادية، وتضعف الخدمات العامة، وتفقد النخب السياسية قدرتها على إنتاج حلول، يصبح المجتمع أكثر قابلية لاستقبال الأفكار الراديكالية مهما كانت هويتها.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل الاضطرابات الأمنية الأخيرة عن السياق الأوسع الذي يعيشه الجنوب. فالمواطن في عدن أو المكلا أو زنجبار لا يواجه فقط تهديدا أمنيا، بل يواجه أزمة مركبة تشمل الاقتصاد والكهرباء والخدمات وفرص العمل ومستقبل الكيان السياسي نفسه. وعندما تتراكم الأزمات بهذا الشكل، يتحول الأمن إلى آخر حلقات السلسلة لا أولها. إن اغتيال طبيبين سوريين في عدن، وما أثاره من جدل واسع، لا يكتسب أهميته من طبيعته الجنائية وحدها، بل من رمزيته السياسية والاجتماعية. فالمجتمعات التي تبدأ بفقدان الثقة في الروايات الرسمية تدخل تدريجيا مرحلة الشك البنيوي، حيث تصبح كل حادثة أكبر من تفاصيلها المباشرة. وفي علم السياسة، يعد تآكل الثقة أخطر من الحدث نفسه. لأن الدولة تستطيع احتواء حادث أمني، لكنها تجد صعوبة أكبر في احتواء انهيار الثقة العامة. لكن المشهد يصبح أكثر تعقيدا إذا نظرنا إليه من منظور إقليمي. فالشرق الأوسط يعيش منذ سنوات مرحلة إعادة تشكيل واسعة للنفوذ. هناك تحولات في موازين القوى الخليجية، ومنافسة على الممرات البحرية، وصراع غير معلن حول أمن البحر الأحمر وخليج عدن، إضافة إلى تغيرات مستمرة في القرن الإفريقي.

وفي قلب هذه اللوحة يقف اليمن كقطعة شطرنج لا يمكن تجاوزها. فالموقع الجغرافي لليمن يمنحه أهمية استثنائية. إنه يطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر جزء كبير من التجارة والطاقة العالمية عبر مضيق باب المندب. ولهذا فإن أي اضطراب طويل الأمد في الجنوب لا يبقى شأنا يمنيا داخليا. بل يتحول بسرعة إلى قضية إقليمية ودولية. ومن هنا يمكن فهم الحساسية المتزايدة تجاه أي مؤشرات على عودة التطرف. فالقوى الإقليمية لا تخشى فقط من العمليات الأمنية المحتملة، بل من احتمال نشوء فراغات جديدة يمكن أن تستثمرها جماعات مسلحة أو شبكات عابرة للحدود. والتاريخ القريب يقدم أمثلة كثيرة على ذلك. فالمنظمات المتطرفة لا تزدهر عادة بسبب قوتها الذاتية، بل بسبب ضعف البيئة المحيطة بها. إنها كالنباتات الطفيلية التي تنمو فوق الأشجار المريضة. ولهذا فإن السؤال الجيوسياسي الحقيقي ليس: هل ستعود الجماعات المتشددة؟ بل: هل ستستمر الظروف التي تسمح بعودتها؟

الجواب يرتبط بمستقبل الجنوب نفسه. فإذا استمرت الانقسامات السياسية، وتعثر الاقتصاد، وضعفت المؤسسات المحلية، فإن المخاطر ستبقى قائمة مهما بلغت فعالية العمليات الأمنية. أما إذا نجحت القوى المحلية والإقليمية في بناء نموذج أكثر استقرارا للحكم والتنمية والخدمات، فإن البيئة الحاضنة للتطرف ستتقلص تلقائيا. وهنا تظهر معضلة الجنوب اليمني الكبرى. إنه يعيش في الوقت نفسه أزمة دولة وأزمة هوية وأزمة اقتصاد. وهذه الأزمات الثلاث تتغذى على بعضها البعض. فالصراع حول المستقبل السياسي للجنوب لا ينفصل عن الصراع حول الموارد، ولا عن التنافس الإقليمي على النفوذ. ومن ثم فإن الأمن يصبح انعكاسا لهذه المعادلات لا سببا لها. ولو نظر دوستويفسكي إلى اليمن اليوم، ربما لكتب أن المأساة لا تكمن في العنف الظاهر، بل في ذلك القلق الصامت الذي يسكن المجتمعات عندما تشعر بأن المستقبل يفلت من بين أيديها.

أما الجغرافيون السياسيون فسيقولون شيئا آخر: إن جنوب اليمن يقف عند نقطة التقاء ثلاث خرائط كبرى؛ خريطة الخليج، وخريطة البحر الأحمر، وخريطة المحيط الهندي. وعندما تتقاطع الخرائط، تتكاثر الصراعات. لكنها تخلق أيضا فرصا استثنائية للاستقرار إذا أحسن الفاعلون استثمار الموقع بدلاً من تحويله إلى ساحة تنافس دائم. لذلك فإن ما يحدث اليوم في عدن وحضرموت وأبين وشبوة لا ينبغي قراءته كحوادث منفصلة، بل كأعراض لمرحلة انتقالية أوسع. مرحلة سيتحدد فيها ما إذا كان الجنوب اليمني سيتحول إلى مركز استقرار استراتيجي على طرق التجارة العالمية، أم سيجد نفسه مرة أخرى أسيرا لدورات الفوضى التي عرفها في العقود الماضية. وفي هذا الفارق الدقيق بين الاستقرار والفوضى، لا يتقرر مستقبل اليمن وحده، بل يتقرر أيضا جزء مهم من مستقبل الأمن الإقليمي الممتد من الخليج إلى القرن الإفريقي ومن البحر الأحمر إلى المحيط الهندي.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *