بقلم زكية لعروسي, باريس
في المغرب كان يا ما كان, كانت جدتي تقول وهي تراقب مواسم القمح تتعاقب فوق التلال: «الدار اللي ما فيها ضحكة صبي بحال الساقية اللي نساها المطر». لم تكن تتحدث عن الديموغرافيا، ولا عن مؤشرات الخصوبة، ولا عن تحولات المجتمع الحديث. كانت تتحدث بلغة الفطرة التي فهمت عبر القرون أن استمرار الحياة ليس حدثا بيولوجيا فقط، بل فعل ثقة في المستقبل. اليوم، يبدو أن تلك الثقة نفسها هي التي تتراجع. لسنا أمام انخفاض عادي في عدد الولادات، بل أمام تحول حضاري عميق يشبه تغير مجرى نهر تحت الأرض. الأرقام تقول إن المغرب اقترب من عتبة طفلين لكل امرأة، لكن الأرقام وحدها عاجزة عن تفسير ما يحدث. فالأطفال لا يختفون من الإحصاءات لأن الناس نسوا الحب، بل لأن المجتمع كلّه دخل مرحلة جديدة من الشك الوجودي تجاه المستقبل.
في الظاهر، تبدو الأسباب اقتصادية. وأسعار السكن ترتفع كأنها تنافس السحاب. تكلفة التعليم أصبحت مشروعا ماليا طويل الأمد. الرعاية الصحية تستنزف الأسر. سوق العمل صار يشبه متاهة يونانية يضيع فيها الشباب قبل أن يعثروا على باب الاستقرار. لكن الاقتصاد ليس سوى القشرة الخارجية للحكاية. أما قلب القصة الحقيقي، فيكمن في التحول السوسيولوجي الذي أصاب الإنسان المغربي نفسه. لقد كان الزواج في الماضي انتقالا طبيعيا بين مرحلتين من العمر. أما اليوم فقد أصبح مشروعا معقدا يحتاج إلى تمويل وتخطيط ومفاوضات وشروط وشبكات اجتماعية ومهارات تفاوضية ربما تفوق أحيانا متطلبات تأسيس شركة ناشئة. جيل الآباء كان يخاف الفقر لكنه لا يخاف المستقبل. جيل الأبناء لا يخاف الجوع بقدر ما يخاف المجهول.

وهنا يكمن الفارق الجوهري. الفيلسوف الألماني أولريش بيك تحدث ذات يوم عن “مجتمع المخاطر”، حيث يعيش الإنسان محاطاً بالاحتمالات المقلقة أكثر من المخاطر الحقيقية. وهذا بالضبط ما يعيشه الشباب المغربي اليوم. فالشاب لا يسأل نفسه: هل أستطيع الزواج؟ بل يسأل: هل سأستطيع الحفاظ على هذا الزواج؟ وهل سأضمن تعليما جيدا لطفلي؟ وهل سأجد عملا مستقرا بعد عشر سنوات؟ وهل سيكون العالم نفسه صالحا للحياة عندما يكبر أبنائي؟ إنها أسئلة لم تكن مطروحة بهذه الحدة لدى الأجيال السابقة. لقد تغير معنى الطفل نفسه. في المجتمعات التقليدية كان الطفل يمثل قوة إضافية داخل الأسرة وامتداداً للعائلة. أما في المجتمعات الحديثة فقد أصبح مشروعا استثماريا عاطفيا وماديا طويل المدى. كل طفل جديد يعني سنوات من الإنفاق والتربية والمتابعة والتأهيل النفسي والتعليمي. ولذلك فإن قرار الإنجاب لم يعد استجابة تلقائية للرغبة، بل صار قرارا عقلانيا يخضع لحسابات دقيقة.
وهنا تظهر المفارقة المغربية العجيبة. فكلما ارتفع مستوى التعليم، تراجعت الخصوبة. وكلما توسعت آفاق المرأة، تأخر الإنجاب. وكلما زادت الأحلام الفردية، تقلص حجم الأسرة. كأن المجتمع يعاقب نفسه على نجاحه في التحديث. لكن الحقيقة أكثر تعقيدا. فالمرأة المغربية لم تعد تلك الشخصية الصامتة التي كانت تختزل في دور الأم فقط. لقد أصبحت طالبة وطبيبة ومهندسة ومقاولة وباحثة وصاحبة مشروع. غير أن المؤسسات لم تواكب هذا التحول بالسرعة نفسها. ما زالت كثير من النساء يعشن تناقضا مرهقا بين طموح مهني متزايد وثقافة اجتماعية ما زالت تنتظر منهن أداء الأدوار التقليدية نفسها. إنها معركة يومية غير مرئية. معركة بين ساعة المكتب وساعة المطبخ. بين حلم الاستقلال الاقتصادي وضغط التوقعات العائلية. بين الرغبة في الإنجاب والخوف من دفع الثمن المهني والاجتماعي لذلك. وفي هذه المنطقة الرمادية تتأجل الولادات عاما بعد عام. ثم يتحول التأجيل إلى عزوف. ثم يتحول العزوف إلى ظاهرة جماعية.

لكن ثمة بعدا آخر نادرا ما يناقشه أحد. إنه بعد العلاقات الإنسانية نفسها. لقد أصبح الحب أكثر حضورا في الخطاب وأقل استقرارا في الواقع. وسائل التواصل الاجتماعي فتحت أبوابا لا نهائية للمقارنة. كل شخص يرى حياة الآخرين أكثر نجاحا وسعادة مما هي عليه فعلا. نشأت ثقافة جديدة تبحث عن الشريك المثالي الذي لا وجود له. أصبح الناس يملكون خيارات أكثر وثقة أقل. يتواصلون أكثر لكنهم يلتقون أقل. يتحدثون أكثر لكنهم يفهمون بعضهم أقل. وهكذا دخلت العلاقات العاطفية نفسها في حالة من الهشاشة الوجودية. ولعل الجاحظ، لو عاد اليوم من منفاه التاريخي، لابتسم ساخرا وهو يرى أن الناس باتوا يملكون آلاف الأصدقاء الرقميين ويعجزون عن تأسيس أسرة واحدة مستقرة. أما دوستويفسكي، الذي كان يحفر في أعماق النفس البشرية كعامل منجم يبحث عن الحقيقة، فربما كان سيرى في تراجع الولادات انعكاسا لأزمة روحية أعمق. لأن المجتمعات لا تتوقف عن الإنجاب عندما تفتقر إلى الوسائل فقط. بل عندما تبدأ بفقدان يقينها بالمستقبل. وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية. هل المشكلة في الشباب؟ أم في السياسات العمومية؟
الحقيقة أن تحميل المسؤولية لجيل اليوم يشبه لوم المرآة على التجاعيد. فالشباب المغربي لم يختر ارتفاع أسعار العقار. ولم يختر هشاشة الشغل. ولم يختر تآكل الطبقة الوسطى. ولم يختر صعوبة التوفيق بين العمل والحياة الأسرية. إنه يتكيف فقط مع واقع جديد. ولهذا فإن أيّ نقاش جاد حول الولادات لا يمكن أن يقتصر على الأخلاق أو العادات أو الحنين إلى الماضي. المسألة مرتبطة بالسكن. وبالأجور. وبالحماية الاجتماعية. وبالحضانات. وبجودة التعليم العمومي. وبالثقة في المؤسسات. وبإحساس الأفراد بأن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر. فحين يشعر الناس بالأمان، ينجبون. وحين يشعرون بالقلق، يؤجلون. هذه قاعدة اجتماعية تكاد تكون كونية.
ومع ذلك، فإن المشهد ليس قاتماً كما يعتقد البعض. فالمغرب لا يعيش نهاية العائلة، بل إعادة تعريفها. ولا يشهد موت الرغبة في الإنجاب، بل تحوّل شروطها. إنه انتقال من الأسرة الكثيرة العدد إلى الأسرة المحدودة. ومن الإنجاب بوصفه قدرا اجتماعيا إلى الإنجاب بوصفه اختيارا فرديا واعيا. غير أن نجاح هذا الانتقال يحتاج إلى رؤية سياسية واجتماعية بعيدة المدى. رؤية تجعل تأسيس الأسرة مشروعا ممكنا لا مغامرة محفوفة بالمخاطر. لأن الأمم لا تُقاس فقط بعدد الأبراج التي تبنيها أو الموانئ التي تدشنها، بل أيضا بعدد الأطفال الذين يملؤون حدائقها بالضحك. وفي مساء مغربي هادئ، حين تجلس أم خيرة عند باب بيتها القديم، قد تنظر إلى الأزقة التي صارت أكثر صمتا مما كانت عليه في شبابها، وتدرك بحكمتها الفطرية ما تعجز عنه أحيانا تقارير الخبراء كلّها: أن المجتمع الذي يريد مستقبلا أكبر، عليه أوّلا أن يمنح أبناءه أسبابا كافية ليؤمنوا بذلك المستقبل.عندها فقط، يعود الأطفال إلى الحكاية. ويعود الضحك إلى الساقية التي نسيها المطر.
📲 Partager sur WhatsApp
تحولات سوسيواقتصادية وقيمية وأسلوب في الحياة، من نتاءج سرعة تحولات الزمن الراهن، الذي هو راهن الجميع بحكم فواعله القوية في توجيه الرؤية إلى أشياء العالم ومنها سؤال الارتباط المسمى زواجا على المستوى الاجتماعي، أما على المستوى الديني،فهو مؤسسة تقوم على عقد ” النكاح”. …
الظاهرة جد معقدة ومركبة تتضافر فيها عدة عوامل، بما فيها الذهنية المقلدة بوساءل التواصل الاجتماعي…