هل دخلنا عصر الديمقراطية الخوارزمية؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الأزمنة القديمة كانت الإمبراطوريات تُقاس بعدد السفن التي تملأ بها البحار، وعدد القلاع التي تحرس حدودها. ثم جاء عصر النفط، فأصبحت الآبار هي التي ترسم الخرائط، وتحولت قطرات الذهب الأسود إلى لغة خفية تحكم العلاقات الدولية. أما اليوم، ونحن نعبر الممرّ الضيق بين عالمين، يبدو أن التاريخ قرر أن يبتكر مقياسا جديدا للقوة: عدد الخوارزميات التي تملكها الدولة، وعدد العقول الاصطناعية التي تستطيع تشغيلها. ما حدث مع شركة أنثروبيك ليس مجرد قرار إداري أمريكي، ولا مجرد إجراء تقني يتعلق بضوابط التصدير. إنه لحظة فلسفية وجيوسياسية كبرى، تكشف أن الذكاء الاصطناعي لم يعد منتجا تكنولوجيا، بل أصبح جزءا من مفهوم السيادة نفسه.

لقد استيقظ العالم فجأة على حقيقة مذهلة: يمكن لدولة واحدة أن تضغط على زر، فتغلق باب المعرفة أمام ملايين البشر. كان الناس يعتقدون أن الإنترنت حرر المعرفة من الحدود. ثم اكتشفوا أن الحدود عادت، ولكن بشكل أكثر دهاء. لم تعد الأسوار من حجر. صارت من شيفرات. ولم تعد الجيوش تحرسها. بل مهندسون وخوادم ومراكز بيانات عملاقة تستهلك من الكهرباء ما كانت تستهلكه مدن بأكملها قبل عقود. هنا تحديدا تبدأ القصة الحقيقية. القصة ليست قصة شركة أمريكية أو انتخابات فرنسية. القصة هي أن البشرية دخلت مرحلة جديدة لم يسبق لها مثيل في تاريخها. مرحلة أصبحت فيها الآلة جزءا من الصراع على السلطة. بل ربما أصبحت السلطة نفسها.

قبل سنوات قليلة فقط، كان المرشحون للرئاسة يتنافسون حول الضرائب والتقاعد والهجرة والبطالة. أما اليوم، فإن السؤال الذي يزحف بصمت إلى قلب النقاشات السياسية هو سؤال مختلف تماما: من يملك الذكاء الاصطناعي؟ ومن لا يملكه؟لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مستقبلك الاقتصادي، وأمنك القومي، ونظامك التعليمي، وإعلامك، وجيشك، وحتى لغتك. لقد تحولت الخوارزمية إلى ما يشبه السلاح النووي الجديد، مع فارق خطير: السلاح النووي لا يستخدم إلا نادرا، أما الذكاء الاصطناعي فيتسلل إلى كل شيء. إلى المدرسة. إلى البنك. إلى المحكمة. إلى المستشفى.إلى الحملات الانتخابية. وإلى العقول نفسها.وهنا تكمن المفارقة المرعبة. فالسياسي الذي يريد الوصول إلى السلطة أصبح يحتاج إلى الذكاء الاصطناعي أكثر من حاجته إلى المنصة الخطابية. لم يعد يكفي أن يعرف كيف يخاطب الجماهير. بل يجب أن يعرف كيف تخاطب الخوارزميات تلك الجماهير.

لم تعد الحملات الانتخابية معارك بين خطباء. بل بين أنظمة تحليل البيانات. بين مراكز استهداف الناخبين. بين نماذج التنبؤ بالسلوك الانتخابي. بين جيوش غير مرئية من الأكواد الرياضية. لقد كان أفلاطون يخشى أن يحكم الجهلاء المدينة. أما لو عاد اليوم لرأى مشهدا أكثر غرابة: مدنا كاملة تدار بواسطة نماذج رياضية لا يراها أحد. إننا نعيش لحظة انتقال السلطة من الإنسان الخطيب إلى الإنسان المهندس. ومن السياسي الكاريزمي إلى السياسي القادر على التحكم بالبنية التحتية الرقمية. ولهذا ليس غريبا أن يتحول قرار تقني أمريكي إلى قضية رئاسية فرنسية. فالذكاء الاصطناعي لم يعد شأنا تقنيا. بل أصبح قضية وجودية للدول. حين يتحدث السياسيون الأوروبيون عن “السيادة الرقمية”، فهم لا يتحدثون عن تطبيقات الهاتف. إنهم يتحدثون عن القدرة على البقاء مستقلين في عالم تتحكم فيه حفنة من الشركات العملاقة.

لنتأمل للحظة. أوروبا التي كانت قبل قرون تصنع الثورة الصناعية الأولى، تجد نفسها اليوم تخشى أن تصبح مستعمرة رقمية. وفرنسا التي صدرت فلسفة الأنوار إلى العالم، تناقش احتمال أن تصبح رهينة لخوادم موجودة في قارة أخرى. إنه انقلاب تاريخي كامل. ففي الماضي كانت الدول تخشى احتلال أراضيها. أما اليوم فهي تخشى احتلال بياناتها. كانت تخشى فقدان مناجمها. أما الآن فتخشى فقدان نماذجها اللغوية. كانت تخشى حصار موانئها. أما الآن فتخشى إغلاق واجهات البرمجة الخاصة بها. لقد تغير معنى القوة. وتغير معنى الاستقلال. وتغير معنى الاستعمار نفسه. فالاستعمار الجديد لا يحتاج إلى جنود. يكفيه احتكار المعرفة. يكفيه احتكار القدرة الحسابية. يكفيه احتكار البنية التحتية للخوارزميات. ولهذا فإن عبارة “الاستعمار الرقمي” لم تعد استعارة أدبية. إنها وصف دقيق لواقع يتشكل أمام أعيننا.

لكن السؤال الأكثر إزعاجا ليس ما إذا كانت الدول ستصبح رهينة للشركات التكنولوجية. بل ما إذا كانت السياسة نفسها ستصبح رهينة للآلة. هنا ندخل المنطقة التي تبدو وكأنها خرجت من كوابيس كافكا. ماذا يحدث عندما تصبح الخوارزمية قادرة على معرفة ميول الناخب قبل أن يحدد الناخب نفسه موقفه؟ ماذا يحدث عندما تستطيع الآلة إنتاج ملايين الرسائل السياسية المخصصة لكل فرد؟ ماذا يحدث عندما يصبح الذكاء الاصطناعي مستشارا للرئيس، ومحررا للصحفي، ومعلما للطفل، وطبيبا للمريض، وقاضيا يساعد على إصدار الأحكام؟ أين ينتهي الإنسان؟ وأين تبدأ الآلة؟ إن المسألة لم تعد تقنية. إنها أنثروبولوجية. إنها سؤال حول معنى أن تكون بشراً في عصر تستطيع فيه الخوارزمية أن تقلدك وربما تتفوق عليك في بعض الوظائف. وربما لهذا السبب تثير هذه التطورات كل هذا القلق. فالناس لا يخشون الذكاء الاصطناعي لأنه ذكي. بل لأنه يقترب أكثر فأكثر من مراكز القرار. ومن طبيعة السلطة. ومن تعريف الحقيقة نفسها. ومع ذلك، فإن الخطأ الأكبر سيكون الاعتقاد بأن المعركة ضد الآلة. المعركة ليست ضد الذكاء الاصطناعي. بل حول من يملكه. ومن يوجهه. ومن يضع قواعده. فالسكين يمكن أن يقطع الخبز أو يجرح الإنسان. والخوارزمية يمكن أن تحرر المعرفة أو تحتكرها.

لهذا فإن المستقبل لن يحسم بين البشر والآلات كما تتخيل أفلام الخيال العلمي. بل بين مجتمعات تمتلك أدوات الذكاء الاصطناعي ومجتمعات تستهلكها فقط. بين دول تصنع الخوارزميات ودول تستأجرها. بين أمم تبني مراكز البيانات وأمم تنتظر الإذن لاستخدامها. وفي تلك اللحظة يصبح السؤال الرئاسي الجديد مختلفا تماما عن أسئلة القرن الماضي. لن يكون: من سيحكم الدولة؟ بل: من سيحكم النظام الذي يحكم الدولة؟ البرلمان؟ أم السوق؟ أم الشركات العملاقة؟ أم الخوارزميات؟ لقد دخل العالم عصرا غريبا لا يترشح فيه السيليكون رسميا للانتخابات، لكنه يحضر كل المناظرات، ويجلس في كل غرف القرار، ويؤثر في كل استطلاع رأي، ويعيد تشكيل كل معركة سياسية. إنه عصر لا نرى فيه الآلة وهي ترفع يدها لتطلب السلطة. لأنها لم تعد بحاجة إلى ذلك. يكفي أن تصبح البنية التحتية التي تمر عبرها السلطة نفسها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *