بقلم زكية لعروسي, باريس
إنّ ما يجري اليوم حول التحقيقات الأمريكية في استخدامات الذكاء الاصطناعي، واستدعاء شركات عملاقة للمساءلة بسبب تأثير منتجاتها على الأطفال والمراهقين، ليس مجرد ملف قانوني عابر، ولا مجرد نزاع تنظيمي بين شركات التكنولوجيا والسلطات العامة. إنه في جوهره محاكمة رمزية لعصر كامل. عصر اعتقد أنه قادر على صنع عقل جديد دون أن يسأل بما يكفي: ماذا سيحدث عندما يبدأ هذا العقل بالتأثير على العقول التي ما زالت في طور التكوين؟ لأكثر من قرنين، كانت البشرية تخشى الآلات لأنها قد تحل محل العضلات. ثم خافت منها لأنها قد تستولي على الوظائف. أما اليوم، فقد أصبح الخوف مختلفا وأكثر عمقا. لم تعد المشكلة في أن الآلة تنافس الإنسان في المصنع أو المكتب، بل في أنها بدأت تدخل إلى أكثر المناطق هشاشة وحساسية في الوجود الإنساني: الطفولة.
وهنا تتغير طبيعة السؤال جذريا. لم يعد السؤال: هل الذكاء الاصطناعي مفيد؟ بل أصبح: ما الذي يحدث عندما يتحول إلى رفيق يومي لطفل يبحث عن معنى ذاته؟ إن الطفل الذي كان يلجأ في الماضي إلى والديه أو معلميه أو أصدقائه أو كتبه، بات اليوم يجد أمامه كائنا رقميا لا ينام، لا يمل، لا يغضب، ولا يتوقف عن الإجابة. كائن يرافقه في غرفته. في هاتفه. في عزلته. وفي لحظات ضعفه النفسي. وهنا تبدأ المنطقة التي لم تستعد لها المجتمعات الحديثة بعد. فالذكاء الاصطناعي لا يشبه التلفزيون. ولا يشبه ألعاب الفيديو. ولا حتى وسائل التواصل الاجتماعي. إنه أوّل تكنولوجيا في التاريخ تتحدث مع الإنسان كما لو كانت إنسانا. وهذه ليست مسألة تقنية. إنها مسألة أنثروبولوجية وفلسفية وأخلاقية. لأن الدماغ البشري، خصوصا في سنواته الأولى، لا يتعامل مع الحوار بوصفه مجرد تبادل معلومات، بل بوصفه علاقة. والعلاقة تخلق الثقة. والثقة تخلق التأثير. والتأثير يعيد تشكيل التصورات والمشاعر والقرارات.
من هنا يمكن فهم القلق المتزايد لدى السلطات الأمريكية. فحين تبدأ الولايات والمدعون العامون بالتحقيق في أثر هذه النماذج على الأطفال والمراهقين وكبار السن، فإنهم لا يبحثون فقط عن مخالفات قانونية محتملة، بل يحاولون فهم ظاهرة أكبر من القوانين الحالية نفسها. القوانين وضعت لعالم كانت فيه الآلة أداة. أما اليوم فنحن أمام آلة تتحول تدريجيا إلى محاور ومستشار ومرشد ومصدر معرفة ورفيق نفسي في بعض الحالات. وهذا تحول لم تشهده البشرية من قبل. إن المعضلة الكبرى لا تكمن في أن الذكاء الاصطناعي يخطئ أحيانا. بل في أن الناس قد يثقون به حتى عندما يخطئ. والأطفال هم الأكثر عرضة لذلك.
فالطفل لا يمتلك دائما الأدوات النقدية الكافية لتمييز الحقيقة من الوهم، أو النصيحة السليمة من النصيحة الخاطئة، أو المعرفة من المحاكاة المقنعة للمعرفة. ولهذا فإن المخاوف المتعلقة بالصحة النفسية للمراهقين ليست تفصيلا جانبيا. إنها قلب القضية. لقد كانت المجتمعات تخشى لعقود طويلة من تأثير التلفاز على الأطفال، ثم من تأثير الإنترنت، ثم من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي. لكن الذكاء الاصطناعي يمثل قفزة نوعية مختلفة تماما. إنه لا يكتفي بعرض المحتوى. بل يشارك في إنتاجه. ولا يكتفي بتوجيه الانتباه. بل يدخل في الحوار. ولا يكتفي بالتأثير على السلوك. بل قد يؤثر في تشكيل الهوية نفسها.

وهنا يصبح الحديث عن “الحواجز الوقائية” و”أنظمة الحماية” أكثر من مجرد مصطلحات تقنية. إنها محاولة لبناء أخلاقيات جديدة لعصر جديد. لكن الحقيقة التي يصعب على كثيرين الاعتراف بها هي أن التكنولوجيا تتقدم بسرعة أكبر بكثير من قدرة المجتمعات على فهم آثارها. فالخوارزميات تتطور كل شهر. أما التشريعات فتحتاج سنوات. والتربية تحتاج جيلا كاملا. وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية هائلة: البشرية نجحت في بناء عقول اصطناعية قادرة على كتابة النصوص وتحليل الصور وإجراء الحوارات المعقدة، لكنها ما زالت تحاول فهم التأثير النفسي والاجتماعي لهذه القدرات على الإنسان نفسه. إنها المرة الأولى التي تصبح فيها التكنولوجيا أسرع من الفلسفة. وأسرع من علم النفس. وأسرع من القانون.
وربما لهذا السبب يبدو العالم مرتبكا أمام الذكاء الاصطناعي. فالقضية لا تتعلق بشركة واحدة، سواء كانت OpenAI أو غيرها. ولا تتعلق بنموذج لغوي بعينه. بل تتعلق بسؤال أعمق بكثير: من المسؤول عن تنشئة الإنسان في العصر الرقمي؟ هل هي الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم المجتمع؟ أم الخوارزمية التي ترافق الطفل لساعات أطول من أي معلم أو والد؟ إن هذا السؤال سيصبح أحد أهم الأسئلة السياسية والأخلاقية في العقود المقبلة. لأن الأمم لا تبنى فقط بالاقتصاد والقوة العسكرية والتقدم العلمي. بل أيضا بالطريقة التي تحمي بها أضعف أفرادها. والطفولة كانت دائما المرآة التي تكشف حقيقة أي حضارة.

فالحضارة التي تستطيع إرسال مركبات إلى الفضاء لكنها تعجز عن حماية أطفالها من الآثار الجانبية لاختراعاتها، تبقى حضارة تعاني من فجوة أخلاقية خطيرة بين قدرتها التقنية ونضجها الإنساني. ومع ذلك، فإن الحل ليس في الخوف من الذكاء الاصطناعي أو محاربته. فالآلة ليست عدوا بطبيعتها. بل هي امتداد للعقل البشري نفسه. الحل يكمن في بناء عقد اجتماعي جديد بين الإنسان والتكنولوجيا. عقد يضمن الابتكار دون التفريط بالحماية. ويشجع الإبداع دون التخلي عن المسؤولية. ويمنح الأطفال فرصة الاستفادة من ثورة المعرفة دون أن يتحولوا إلى حقل تجارب مفتوح لخوارزميات لم نفهمها بالكامل بعد. لقد دخل العالم مرحلة لم يعد فيها السؤال المركزي: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا: ماذا ينبغي أن نسمح لها بأن تفعل؟ وفي المسافة الفاصلة بين هذين السؤالين، سيتحدد شكل القرن الحادي والعشرين، ومستقبل العلاقة بين الإنسان وأعظم اختراع صنعه عقله منذ بداية التاريخ.
📲 Partager sur WhatsApp
في دراستي التي تنتظر منك قراءة وقفت فيها على يقف عليه هذا المقال: العالم المعاصر اكتسحته التقنية ووضعت بمختلف فواعلها على وضع أسس يدى لنمك وجود انهارت فيه المنظومات القيمية التي وضعت مع عصر الأنوار ومجموع التنظيمات الدولية التي ارتبطت ميلادها.
نمط وجود يسعى ألى التنميض الكوني والتشابه إلى درجة أمسينا أمام وجوه بشرية بدون ملامح….
أما بالنسبة لنمك التربية فأمسى يعمل من أجل تكوين كاءن ” فضاءي” لا يرتبط بأرض ولا ذاكرة ولا جغرافيا….