بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاكن- الدنمارك
رغم مرور عقود طويلة على استقرار الجاليات العربية في الدنمارك، ورغم النجاحات اللافتة التي حققتها أجيال متعاقبة في مجالات التعليم والبحث العلمي وسوق العمل، ما يزال الحضور العربي داخل الأحزاب السياسية الدنماركية وفي المؤسسات المنتخبة حضورا محدودا، بل يكاد يكون هامشيا إذا ما قورن بحجم هذه الجاليات وتأثيرها المتنامي في المجتمع. هذه ملاحظة سجلتها من خلال متابعتي للشأن العام الدنماركي واهتمامي بالإعلام وتوثيق التحولات التي يعرفها هذا البلد الجميل، الذي أصبح بالنسبة لي نموذجا ملهما في الديمقراطية والحكامة الرشيدة واحترام المؤسسات. فالدنمارك وفرت لأبنائها، بمن فيهم أبناء المهاجرين، فرصا متكافئة للتعليم والتكوين والاندماج، غير أن المشاركة السياسية ظلت الحلقة الأضعف لدى شريحة واسعة من المواطنين ذوي الأصول العربية.
قد يفسر البعض هذا الواقع بالخوف من الفشل أو بصعوبة اختراق المجال السياسي، غير أن هذا التفسير لا يبدو مقنعا. فقد عرفت شخصيا شبابا وشابات من أصول عربية حققوا نجاحات أكاديمية ومهنية متميزة، وأتقنوا اللغة الدنماركية، ونسجوا علاقات واسعة داخل المجتمع، وأسهموا في إثراء النقاش الفكري والثقافي، وكان بإمكانهم أن يشقوا طريقهم داخل الأحزاب السياسية وأن يتدرجوا نحو مواقع المسؤولية، لكنهم اختاروا الابتعاد عن هذا المجال. صحيح أن هناك استثناءات تركت بصمتها في المشهد السياسي الدنماركي، سواء على المستوى المحلي أو الوطني. ومن بين الأسماء التي فرضت حضورها لسنوات طويلة في العمل العام الناشط السياسي المغربي الأصل حميد الموستي، إلى جانب شخصيات أخرى ساهمت في ترسيخ صورة إيجابية عن مشاركة أبناء المهاجرين في تدبير الشأن العام. غير أن هذه التجارب ظلت محدودة ولم تتحول إلى ظاهرة سياسية متجذرة داخل الأوساط العربية.
المفارقة أن الجيل الجديد، المزداد في الدنمارك والمتخرج من أرقى الجامعات والمعاهد العليا، نجح في الوصول إلى مواقع مهمة في مختلف القطاعات الاقتصادية والإدارية والعلمية، لكنه لم يُبدِ الحماس نفسه تجاه العمل الحزبي والسياسي. فبينما اختار كثيرون التركيز على مساراتهم المهنية، فضّل آخرون الابتعاد عن المجال السياسي بدوافع فكرية أو دينية أو بدافع فقدان الثقة في جدوى العمل الحزبي. ولا يمكن إغفال أن بعض الشباب المسلمين تأثروا بخطابات وتيارات ترفض المشاركة السياسية بصيغتها الديمقراطية، وتعتبر الانخراط في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة أمرا غير ذي جدوى أو متعارضا مع قناعاتها الفكرية. وقد ساهم هذا التوجه، بدرجات متفاوتة، في تكريس حالة العزوف وإفراغ الساحة من طاقات كان يمكن أن تضطلع بأدوار مؤثرة في صنع القرار.
غير أن استمرار هذا الغياب لا يخدم مصالح الأجيال العربية الصاعدة ولا يعزز مكانتها داخل المجتمع الدنماركي. فالمشاركة السياسية ليست امتيازا، بل مسؤولية مدنية وحق ديمقراطي يتيح للمواطنين المساهمة في صياغة السياسات العمومية والدفاع عن مصالحهم وقضاياهم المشروعة. كما أن الحضور داخل المجالس البلدية والجهوية والبرلمان يظل إحدى أهم الوسائل للتأثير في القرارات التي تمس الحياة اليومية لجميع المواطنين. إن التحولات التي يعرفها المجتمع الدنماركي اليوم تفرض على أبناء الجيل الجديد من ذوي الأصول العربية إعادة النظر في علاقتهم بالعمل السياسي. فغالبيتهم يعتبرون الدنمارك وطنهم النهائي، ولا يفكرون في العودة إلى بلدان آبائهم وأجدادهم، وهو ما يجعل مشاركتهم في صناعة مستقبل هذا البلد أمرا طبيعيا ومنطقيا، بل وضروريا.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن الكفاءة والالتزام والعمل الجاد كفيلة بفتح أبواب المسؤولية أمام الجميع. ولعل صعود شخصيات سياسية من أصول مهاجرة إلى مناصب وزارية رفيعة يشكل رسالة واضحة مفادها أن الديمقراطية الدنماركية قادرة على استيعاب مختلف الكفاءات، بصرف النظر عن أصولها العرقية أو الثقافية. ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بالاندماج الاقتصادي والاجتماعي، بل الانتقال إلى مرحلة المشاركة السياسية الفاعلة. فالأمم لا تُبنى من خارج المؤسسات، والمواطنة الكاملة لا تكتمل إلا بالمساهمة في صنع القرار. أما استمرار العزوف عن العمل الحزبي وترك مواقع التأثير شاغرة، فإنه لا يؤدي إلا إلى إضعاف صوت الجاليات العربية وتقليص قدرتها على الدفاع عن مصالحها والمشاركة في رسم مستقبل المجتمع الذي تنتمي إليه. إن الوقت قد حان لكي يتحول النجاح الأكاديمي والمهني لأبناء الجالية العربية في الدنمارك إلى حضور سياسي مؤثر، يوازي حجم إنجازاتهم في المجالات الأخرى، ويجسد حقيقة انتمائهم إلى وطن اختاروه وطنا لهم، واختارهم مواطنين كاملي الحقوق والواجبات.
📲 Partager sur WhatsApp
