صرخة من قلب المعاناة ودعوة لإنقاذ الأسرة

بقلم الإعلامي حيمري البشير – كوبنهاغن، الدنمارك

ليس أقسى على الإنسان من أن يمضي أجمل سنوات عمره في الكفاح والعمل والتضحية من أجل أسرته، وأن يجعل من سعادتها غايته الكبرى، ومن نجاح أبنائه مشروع حياته، ثم يجد نفسه في خريف العمر وحيدا يواجه المرض والوهن والجفاء، بعدما استنفد طاقته وعمره في البناء والعطاء. كم هو مؤلم أن يستيقظ الأب ذات يوم وقد أثقلته الشيخوخة، وتراكمت عليه أمراض السكري والضغط ومضاعفات السنين، فيكتشف أن اليد التي امتدت طويلا بالعطاء لم تعد تجد من يمسك بها، وأن القلب الذي احتضن الجميع أصبح يبحث عمن يواسيه أو يخفف عنه وطأة الألم. عندها لا تكون المعاناة صحية فقط، بل تتحول إلى جرح نفسي عميق ينهش الروح ويقوض ما تبقى من الأمل.

إن مأساة كثير من الآباء في مرحلة التقاعد لا تكمن في محدودية المعاش أو ارتفاع تكاليف المعيشة فحسب، بل في فقدان الإحساس بالتقدير والاحتواء داخل الأسرة. فحين يشعر الأب أن وجوده أصبح عبئاً على من أفنى عمره من أجلهم، وأن البعض ينتظر لحظة إبعاده إلى دار للمسنين أو طي صفحته من الحياة، تتجسد أمامه واحدة من أقسى صور العقوق والجحود الإنساني. لقد جعل الإسلام بر الوالدين من أعظم القربات، وربط رضى الله برضاهما، فقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. إنها آية عظيمة تختصر فلسفة الأسرة في الإسلام، وتؤكد أن الوفاء للوالدين ليس خيارا أخلاقيا فحسب، بل واجب ديني وإنساني لا يسقط بتغير الأزمنة والظروف.

وفي المجتمعات الغربية التي يعيش فيها كثير من المهاجرين المسلمين، تزداد التحديات المرتبطة بالحفاظ على الهوية والقيم الأسرية. فالتغيرات الاجتماعية والثقافية المتسارعة تفرض ضغوطاً كبيرة على الأسرة، وتجعل الحاجة ملحة إلى ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل والتعاون بين الآباء والأمهات في تربية الأبناء على قيم الرحمة والوفاء وصلة الرحم. ومن الإنصاف التأكيد أن المسؤولية عن المشكلات الأسرية لا تقع على طرف واحد دون الآخر، بل هي مسؤولية مشتركة بين الأب والأم وسائر أفراد الأسرة. غير أن الخلافات المستمرة، والصراعات الداخلية، وغياب الحوار، ومحاولات التأثير السلبي على الأبناء ضد أحد الوالدين، كلها عوامل تزرع بذور الانقسام والكراهية وتترك آثارا عميقة على شخصية الأبناء ومستقبلهم. كما أن المؤسسات الإسلامية والمراكز الثقافية والمساجد مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالقيام بدورها التربوي والتوعوي، ليس فقط في الحديث عن العبادات والشعائر، بل أيضاً في ترسيخ أخلاق الأسرة المسلمة، وتعزيز ثقافة البر والإحسان، والتوعية بخطورة العقوق والتفكك الأسري، والعمل على بناء جسور التفاهم بين الأجيال.

إن ما نشهده من ارتفاع في نسب الطلاق، واتساع رقعة الخلافات العائلية، وتراجع دور الأسرة في التنشئة السليمة، ليس مجرد أرقام أو أحداث عابرة، بل مؤشرات تستدعي وقفة تأمل ومراجعة صادقة. فالأبناء هم أول من يدفع ثمن الصراعات الأسرية، وهم المرآة التي تنعكس عليها أخطاء الكبار ونجاحاتهم على حد سواء. ورغم كل ما يعتصر القلب من ألم، يبقى الأمل قائماً ما دامت هناك أصوات عاقلة تؤمن بالحوار والإصلاح. إن الهدف من إثارة هذه القضايا ليس توجيه الاتهامات أو تأجيج الخلافات، بل فتح نقاش مسؤول حول ظواهر اجتماعية تستحق الدراسة والمعالجة، والبحث عن حلول عملية تحفظ كرامة الآباء والأمهات معا، وتصون الأسرة من التفكك، وتحمي الأجيال القادمة من الضياع.

لقد كانت الكتابة بالنسبة لكثير من أبناء الجيل الأول من المهاجرين متنفسا يخففون به أوجاعهم ويعبرون من خلاله عن همومهم المشتركة. ومن هذا المنطلق يأتي هذا الطرح، لا بوصفه حكما نهائيا، بل دعوة صادقة للتفكير والتأمل وإعادة الاعتبار لقيم الرحمة والوفاء والتكافل التي قامت عليها الأسرة المسلمة عبر التاريخ. فحين يشيخ الآباء، لا يحتاجون إلى الكثير؛ يحتاجون فقط إلى كلمة طيبة، ويد حانية، وقلوب تتذكر أن من تعب بالأمس من أجلهم يستحق اليوم أن يجد بينهم مكانة تليق بعطائه وتضحياته. وتلك، في نهاية المطاف، ليست منة من أحد، بل دين أخلاقي وإنساني لا يسقط بالتقادم. ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: كيف نحافظ على تماسك الأسرة وقيمها في زمن التحولات المتسارعة؟ وكيف نعيد الاعتبار لثقافة البر والوفاء والاحترام المتبادل بين أفرادها؟ إنه نقاش مسؤول يحتاج إلى مساهمة العقلاء من الرجال والنساء معا، بحثا عن حلول تنقذ الأسرة وتحفظ مستقبل الأجيال.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *