برلين: هل أصبحنا نعيش أمنا لا نملك مفاتيحه؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة مدن يمكن أن تُحتل من دون أن يسمع أحد صوت طلقة. تكفي كلمة مرور مسروقة، ثغرة صغيرة في جدار إلكتروني، رسالة بريد تبدو بريئة، أو باب خلفي لا يعرف أحد أنه ظل مفتوحا طوال الليل. هكذا يمكن لمدينة حديثة أن تستيقظ ذات صباح فلا تجد في شوارعها جنودا غرباء، بل تجد شيئا أكثر غرابة: أن جزءاً من ذاكرتها قد غادرها في صمت. هذا هو المشهد الذي يطل علينا من برلين في سبتمبر 2026. مجموعة القرصنة التي تطلق على نفسها اسم Rhysida أعلنت مسؤوليتها عن هجوم واسع على شبكة ولاية برلين، وقالت إنها سرقت نحو 5.8 تيرابايت من البيانات. وبعد أن رفضت سلطات برلين دفع الفدية، انتهى الإنذار، وبدأ نشر البيانات على الشبكة المظلمة. وتشير السلطات الألمانية إلى نشر نحو 1.44 مليون ملف، فيما لا تزال فرق الطب الشرعي الرقمي تفحص المحتوى وتحدد بدقّة من أصابته الشظايا. كان الثمن المطلوب نحو مليوني يورو، أو 30 بيتكوين. مبلغ يبدو صغيرا إذا وضعناه أمام ميزانية مدينة كبرى، لكنه يصبح فجأة رقما مرعبا حين ندرك أن المطلوب لم يكن شراء بيانات، بل شراء الصمت.

وهنا تبدأ الحكاية. لأن الفدية ليست جوهر المسألة. جوهر المسألة هو السؤال القديم الذي عاد إلينا بوجه إلكتروني: من يملك الإنسان حين تُسرق عنه المعلومات التي تصنع صورته؟ في القرن التاسع عشر كان السارق يدخل البيت من النافذة. في القرن العشرين كان يدخل من الباب. أما في القرن الحادي والعشرين فقد لا يدخل البيت أصلا. يدخل إلى النسخة الرقمية منه. وهذه النسخة، قد تكون أهم من البيت نفسه. في الخوادم توجد الرواتب، الحسابات المصرفية، أرقام الهواتف، رسائل البريد، العقود، وثائق الهوية، الملفات التأديبية، المعلومات المهنية، وربما تفاصيل البنية التحتية الحساسة. وقد أفادت تقارير ألمانية بأن البيانات المسروقة شملت، بين أمور أخرى، معلومات مصرفية وبيانات رواتب ونسخاً من وثائق هوية وملفات تتعلق بموظفين وبمشروعات حكومية. لكن التحقيقات لا تزال جارية، ولذلك فإن أي حديث عن القائمة النهائية للبيانات يجب أن يبقى حذراً.

المفارقة الأكثر ظلمة أن الدولة الحديثة بنت قوتها على القدرة على جمع المعلومات. ثم جاءت اللحظة التي اكتشفت فيها أن قوتها نفسها يمكن أن تصبح نقطة ضعفها. كلما عرف النظام عن مواطنيه أكثر، صار عند المهاجم شيء أكثر قيمة ليسرقه. وهنا تنقلب المعادلة. المعلومة التي صنعتها الدولة لحماية الإنسان يمكن أن تتحول إلى أداة لملاحقته. الهوية التي صنعتها الإدارة لتسهيل حياته يمكن أن تتحول إلى مفتاح لسرقة حياته. الراتب يصبح خريطة ابتزاز. العنوان يصبح مدخلا إلى المطاردة. الملف الوظيفي يتحول إلى مادة للتهديد. والصورة الشخصية يمكن أن تصبح قناعا لشخص آخر. لقد اخترعنا الدولة البيروقراطية لكي لا تضيع الأشياء. ثم اخترعنا الشبكات الرقمية لكي تصل الأشياء بسرعة. ثم اكتشفنا، في لحظة أشبه بالكابوس، أن السرعة نفسها تستطيع أن تجعل الضياع شاملا. إنها ليست سرقة ملفات. إنها سرقة للسياق. فالملف وحده قد لا يكون قاتلا. لكن جمع ألف ملف، ثم مليون، ثم ربطها ببعضها، يجعل من البيانات شيئا يشبه جهاز أشعة يرى الإنسان من الداخل.

ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في نشر البيانات، وإنما في إمكانية إعادة تركيب الأشخاص منها. المجرم لا يحتاج إلى معرفة كل شيء عنك. يكفي أن يعرف الأشياء الصحيحة. اسمك. راتبك. مكان عملك. مديرك. حسابك. هاتفك. تاريخ ميلادك. ربما وثيقة هويتك. وبعدها يستطيع أن يخترع لك حياة مزيفة لا تستطيع أنت بسهولة إثبات أنها ليست حياتك. هذه هي الجريمة الجديدة: لم يعد السارق يسرق مالك فقط، بل قد يسرق قدرتك على إثبات أنك أنت. وهنا تصبح عبارة “الهوية الرقمية” أقل شاعرية مما نظن. إنّها ليست هوية. إنّها ظل. وظل الإنسان يمكن أن يُسرق. لقد سبق لـ Rhysida أن ارتبطت بهجمات فدية أخرى، ومنها الهجوم على British Library في لندن عام 2023، حيث سُرقت بيانات ووضعت لاحقا على الإنترنت المظلم بعد رفض دفع الفدية. وقد وثقت مصادر بريطانية رسمية أن الهجوم تسبب في أضرار كبيرة وتعطيل خدمات المكتبة، وأن نحو 600 غيغابايت من الملفات سُرقت.

هنا يظهر شيء بالغ الأهمية: ما حدث في برلين ليس وحشاً خرج فجأة من الغابة. إنه تطور في اقتصاد الجريمة. هناك الآن منظومة كاملة: من يبيع أدوات الاختراق، ومن يوفر الوصول الأولي، ومن يسرق، ومن يشفر، ومن يساوم، ومن يبيع البيانات، ومن يعيد استخدامها في عمليات احتيال جديدة. وقد رصد باحثو IBM في 2026 تداخلات تقنية وتشغيلية بين Rhysida ومكونات أخرى من اقتصاد برامج الفدية، بما يعكس اتجاها نحو شبكات إجرامية أكثر مرونة وتوزعا. بعبارة أخرى: لم يعد علينا أن نتخيل “الهاكر” جالسا وحده في غرفة مظلمة أمام شاشة زرقاء. هذه صورة سينمائية انتهت صلاحيتها. الجريمة الإلكترونية أصبحت صناعة. لها موردون. وسماسرة. وأسواق. ووسطاء. وممولون. وأساليب محاسبية. وأحيانا خدمة عملاء، إذا صح التعبير. إنها رأسمالية سوداء، بلا مصانع مرئية، وبلا حدود جغرافية. وهنا نفهم لماذا لا تكفي الشرطة المحلية. لأن الجريمة في برلين قد يكون عقلها في قارة، وخادمها في قارة ثانية، وضحيتها في الثالثة، والمال يمر عبر سلسلة محافظ رقمية لا تعترف بالجوازات.

ولذلك فإن السؤال: “كيف نحمي أنفسنا؟” ليس سؤالا تقنيا فقط. إنه سؤال سياسي. وسؤال فلسفي. وسؤال عن شكل الدولة نفسها. هل الدولة التي تخزن كل شيء دولة قوية؟ أم أن الدولة القوية هي التي تعرف ما الذي لا ينبغي لها أن تخزنه؟ هنا ربما ينبغي أن نستعيد حكمة قديمة: “ما زاد عن حده انقلب إلى ضده.” لقد بالغنا في تقديس البيانات. كل شيء أصبح رقما. كل إنسان أصبح سجلا. كل حركة أصبحت أثرا. كل علاقة أصبحت معلومة. ثم قلنا لأنفسنا: هذه هي الكفاءة. لكن الكفاءة التي لا ترافقها الحكمة تتحول إلى هشاشة. والحضارة، كما عرفها التاريخ منذ سقوط إمبراطوريات كثيرة، لا تنهار دائما لأنها تفتقر إلى القوة، بل لأنها تصبح شديدة التعقيد إلى درجة أنها لا تعود قادرة على حماية تعقيدها. روما لم تسقط في يوم واحد. والقلاع لا تنهار دائما لأن حجارتها ضعيفة. أحيانا يكون الخطر في كثرة الأبواب. والشبكة الرقمية الحديثة هي أكبر قلعة وأكثرها أبوابا في تاريخ البشرية. كل جهاز باب. كل حساب نافذة. كل موظف مفتاح محتمل. كل تطبيق ممر. كل تحديث قد يكون بابا جديدا أو بابا مغلقا. ولهذا فإن السؤال “هل نحن آمنون؟” يبدو اليوم شبيها بسؤال المسافر في صحراء واسعة: هل الطريق آمن؟ الإجابة ليست نعم أو لا. الطريق نفسه تغير. لقد أصبحنا نعيش داخل الطريق. لكن هل فقدنا السيطرة؟ ليس تماما.

وهذه هي النقطة التي ينبغي ألا تضيع وسط الرعب. الإنسان لا يزال قادرا على بناء دفاعات أقوى بكثير من تلك الموجودة اليوم. لكن المشكلة أن الأمن السيبراني ليس منتجاً تشتريه ثم تنام. إنه نظام حياة. نسخ احتياطية معزولة عن الشبكة. مصادقة متعددة العوامل. تقليل الصلاحيات. تشفير. تقسيم الشبكات. مراقبة مستمرة. تحديثات أمنية. اختبارات اختراق مستقلة. خطط للطوارئ تعمل حتى عندما لا تعمل الحواسيب. وتدريب الموظفين لا مرة في السنة، بل باعتبار الأمن عادة مهنية يومية. وهناك درس بريطاني واضح من هجمات الفدية: المؤسسات تحتاج إلى نسخ احتياطية غير متصلة، وخطط تشغيل بديلة، وتمارين حقيقية لاستعادة الأنظمة، لا مجرد وثيقة محفوظة في درج. لكن الأهم من كل ذلك هو تغيير فلسفة الأمن. لا ينبغي أن يكون السؤال: “كيف نمنع الاختراق؟” فهذا شبه مستحيل. السؤال الصحيح هو: “ماذا يحدث إذا اخترقونا غدا؟” الدولة الذكية ليست التي تتخيل أنها لن تُهاجم. الدولة الذكية هي التي تفترض أنها ستُهاجم، وتبني نفسها بحيث لا تتحول الإصابة إلى موت. هذا فرق فلسفي هائل. الأمن الحقيقي ليس جدارا لا يُخرق. إنه جسد يستطيع أن يمرض دون أن يموت.

وهنا ينبغي أن نتوقف أمام قرار برلين بعدم دفع الفدية. من الناحية الأخلاقية والاستراتيجية، هناك منطق قوي وراء رفض دفع المال: الدفع قد يمول الجريمة ويؤكد للمهاجم أن الابتزاز نموذج اقتصادي مربح. لكن رفض الدفع لا يعني الانتصار. إنه يعني قبول تكلفة أخرى: التحقيق، إعادة البناء، حماية الضحايا، وربما سنوات من تبعات التسريب. السلطات الألمانية أكدت أنها لن ترضخ للابتزاز، وأن فرق الطب الشرعي تعمل على تحليل البيانات المنشورة وتحديد المتضررين. إنها مفارقة أخلاقية قاسية: أحيانا يكون دفع الفدية أسهل من عدم دفعها. لكن الأسهل اليوم قد يكون أغلى غدا. ومن هنا يأتي السؤال الأشد قسوة: هل نحن أمام ظاهرة لم نعد نتحكم فيها؟ نعم، إذا كان المقصود أن دولة واحدة لم تعد تستطيع وحدها السيطرة على فضاء إلكتروني عابر للحدود. لا، إذا كان المقصود أن الإنسان عاجز. الفرق بين العبارتين هو مستقبلنا. نحن لا نحتاج إلى السيطرة الكاملة على الإنترنت. نحتاج إلى جعل الجريمة الإلكترونية أقل ربحا، وأبطأ، وأكثر خطرا على المجرمين، وأكثر كلفة عليهم. وهذا لا تستطيع برلين وحدها فعله. ولا باريس. ولا واشنطن. ولا دمشق. بل يحتاج إلى تعاون دولي في إنفاذ القانون، وتتبع الأموال، وتبادل المعلومات، وإغلاق البنى التحتية الإجرامية، وملاحقة الوسطاء، ورفع كلفة استخدام العملات المشفرة في الابتزاز، وتطوير قوانين أكثر سرعة من قدرة الجريمة على التطور.

الجريمة الإلكترونية عالمية. ولذلك يجب أن يكون الرد عالميا. أما إدخال الرئيس السوري أحمد الشرع في قصة برلين، فيحتاج إلى قدر كبير من الانضباط الفكري. هل يمكن أن يسأل صحفي: هل توجد صلة سورية؟ نعم، يمكنه أن يسأل. هل يمكن أن يلمح إلى أن شخصية سياسية في الشرق الأوسط قد تكون خلف العملية؟ ليس من دون أدلة. حتى الآن، لا أجد في المصادر الموثوقة التي راجعتها دليلا يربط أحمد الشرع أو الحكومة السورية بهجوم برلين أو بمجموعة Rhysida. بل إن المصادر الألمانية التي تتناول الهجوم تتحدث عن مجموعة Rhysida وتناقش احتمال وجود صلات بروسيا أو استبعادها، لكنها لا تقدم رابطا سوريا. والأهم أن نسب الهجوم إلى دولة أو رئيس بناء على مجرد التخمين يكرر الخطأ الذي نريد مقاومته: تحويل المعلومات الناقصة إلى يقين. وفي عالم البيانات المسروقة، هذا أخطر من الجهل. لأن التضليل نفسه أصبح سلاحا. قد تُسرق وثيقة حقيقية، ثم تُخلط بوثيقة مزورة، ثم تُسرب في سياق سياسي، ثم تتحول خلال ساعات إلى “حقيقة” في شبكات التواصل.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون فقط عصر “الاختراق”. قد تكون عصر “اختراق الحقيقة”. وهو أخطر. فالوثيقة المسروقة لا تقول وحدها الحقيقة. والملف الحقيقي يمكن أن يوضع في سياق كاذب. والصورة الحقيقية يمكن أن تُستخدم لإثبات قصة لم تحدث. وهنا نقترب من مشكلة الذكاء الاصطناعي. لأن الآلة لم تعد تحتاج إلى سرقة العالم كله. يكفي أن تجمع شظايا صحيحة، ثم تنتج منها قصة كاذبة شديدة الإقناع. سيصبح الإنسان أمام عدو جديد لا يقول له: “أنا أكذب.” بل يقول له: “انظر، لدي ألف دليل.” وقد تكون الأدلة صحيحة. والقصة وحدها هي الكذبة. هذا هو الخطر الذي يجب أن تتعلمه الديمقراطيات قبل غيرها. إن حماية البيانات لم تعد شأنا تقنيا. إنّها دفاع عن الذاكرة. والذاكرة هي أحد أشكال السيادة. من يملك ذاكرة مجتمع يستطيع أن يؤثر في مستقبله. لهذا فإن بيانات مدينة مثل برلين ليست مجرد ملفات إدارية. إنها قطعة من الدولة. ومن يسرقها لا يسرق الورق. إنه يسرق جزءا من قدرة الدولة على تعريف نفسها. وهنا يصبح معنى الأمن أوسع بكثير. الأمن ليس أن تكون شاشتك خضراء. الأمن أن يبقى المجتمع قادرا على الوثوق بمؤسساته. أن يعرف المواطن أن راتبه لن يتحول إلى أداة ابتزاز. وأن وثيقته لن تتحول إلى جواز سفر لشخص آخر. وأن سجله الطبي لن يصبح سلعة. وأن أسرار الدولة لن تصبح مزادا. وأن الانتخابات لن تصبح رهينة. وأن الحقيقة نفسها لن تتحول إلى ملف قابل للتحميل.

ليست برلين وحدها في هذه الحكاية. برلين مجرد مرآة. وفي المرآة نرى شيئا مخيفا: لقد بنينا عالما جعلناه سريعا إلى درجة مذهلة، ثم نسينا أن السرعة بلا حماية تجعل سقوط الأشياء أسرع أيضا. قال القدماء: “درهم وقاية خير من قنطار علاج.” لكن العالم الرقمي يضيف جملة أخرى: “ونسخة احتياطية خير من ألف ندم.” وقد يبدو ذلك مضحكا في البداية. لكنه ليس كذلك. لأن المستقبل ربما لن يُسرق منا دفعة واحدة. ربما سيُسرق ملفا بعد ملف. شخصا بعد شخص. ذاكرة بعد ذاكرة. حتى نستيقظ ذات يوم ونكتشف أن أكثر شيء ثمين فقدناه ليس المال، ولا البيانات، بل قدرتنا على معرفة من نحن. لهذا يجب ألا نخاف من التكنولوجيا. علينا أن نخاف من غياب الحكمة حين نستخدمها. والمدينة التي تريد أن تكون آمنة لا تحتاج إلى جدران أعلى فقط. تحتاج إلى أبواب أقل. ومفاتيح أذكى. وحراس لا ينامون. وقوانين تعبر الحدود. وأخلاق تسبق الخوارزميات بخطوة. لأن المعركة المقبلة لن تكون بين الإنسان والآلة. ستكون بين الإنسان ونسخته التي صنعها بنفسه. وفي تلك المعركة، لن يكون السؤال:هل تستطيع الآلة أن تخترقنا؟ بل: هل تعلمنا نحن، أخيرا، كيف نحمي ما يجعلنا بشرا؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *