المغرب.. امتحان النضج السياسي: العزوف عن التصويت ليس هزيمة للديمقراطية

بقلم ماركو باراطو مراسل الورقاء بالفاتيكان-إيطاليا (صياغة زكية لعروسي, رئيسة التحرير)

أفرزت الانتخابات المغربية مشهدا سياسيا لا يخلو من الدلالة، وأعادت رسم جانب من خريطة التوازنات داخل البرلمان، ففتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الحياة السياسية في المملكة. فقد خرج حزب الأصالة والمعاصرة (PAM) في صدارة القوى البرلمانية، بعدما حصد 97 مقعدا من أصل 395، متقدما على التجمع الوطني للأحرار (RNI) الذي نال 66 مقعدا، وعلى حزب الاستقلال الذي حصل على 65 مقعدا، فيما استقر رصيد حزب العدالة والتنمية (PJD)، الموجود في صفوف المعارضة، عند 54 مقعدا. أرقام لا تكتفي بوصف المشهد، بل تعيد ترتيب موازينه، وتضع القوى السياسية المغربية أمام خريطة جديدة من التحالفات والحسابات والرهانات. غير أن رقما آخر ظل يفرض حضوره على النقاش، وربما كان أكثر الأرقام إثارة للأسئلة: 38.08 في المائة، وهي نسبة المشاركة في الاقتراع.

وهنا تحديدا ينبغي أن تتغير زاوية النظر. ذلك أن التعامل مع انخفاض المشاركة الانتخابية باعتباره، بصورة تلقائية، شهادة إدانة للديمقراطية أو دليلا على تراجعها، ينطوي على نوع من القراءة المسبقة للواقع، كما يستند إلى معيار لا يبدو أنه يستخدم بالصرامة نفسها حين يتعلق الأمر بالديمقراطيات الأوروبية. فالعزوف عن التصويت ليس ظاهرة غريبة عن المغرب، ولا سلوكا استثنائيا خاصا بالمجتمعات الواقعة جنوب المتوسط. لقد أصبح، خلال العقود الأخيرة، واحدا من المظاهر الملازمة للحياة السياسية في عدد واسع من البلدان الأوروبية والمتوسطية. إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، وغيرها من الديمقراطيات الأوروبية، عرفت بدورها تراجعا تدريجيا في نسب المشاركة الانتخابية. ومع ذلك، لم يكن انخفاض الإقبال على صناديق الاقتراع سببا كافيا لنزع الصفة الديمقراطية عن مؤسساتها، أو للقول إن الديمقراطية قد فقدت جوهرها. لقد أصبح العزوف عن التصويت جزءا من المشهد السياسي المعاصر، وأحد التعبيرات الممكنة عن التحول العميق الذي أصاب علاقة المواطن بالسياسة والأحزاب والمؤسسات. فلماذا ينبغي أن يكون المغرب استثناء؟

لعل المسألة الأهم أن المملكة نفسها دخلت، بصورة متزايدة، في هذه الدينامية التي أصبحت سمة من سمات السياسة الحديثة. فالمواطن المغربي لم يعد بالضرورة يعيش السياسة من خلال لحظة الاقتراع وحدها. إنه يستطيع أن يمنح صوته، وأن يغير اختياره، وأن ينتقل من حزب إلى آخر، وأن يعيد النظر في خياراته السابقة، كما يستطيع، حين لا يكون التصويت إلزاميا، أن يقرر ببساطة ألا يذهب إلى صندوق الاقتراع. وهذه الإمكانية ليست، في ذاتها، خروجا عن المجال السياسي، بل هي جزء من الحرية التي تتيحها السياسة الانتخابية. فالامتناع عن التصويت يمكن أن يكون، هو الآخر، رسالة. لكنها ليست رسالة ذات معنى واحد، ولا يجوز اختزال ملايين المواقف الفردية في تفسير واحد. فالعزوف قد تكون وراءه أسباب مختلفة، وقد تعكس دوافع اجتماعية أو سياسية أو جيلية متعددة. ومع ذلك، يظل هذا العزوف مؤشرا لا يمكن تجاهله، لأنه يكشف، في أحد أبعاده، عن مجتمع تتغير علاقته بالسياسة، ويريد أن يكون مسموعا لا في لحظة الاقتراع وحدها، وإنما في علاقته اليومية بالمؤسسات، وفي مدى قدرتها على الإنصات إلى مطالبه والاستجابة لتطلعاته.

والأهم أن ذلك كله يحدث داخل مجتمع يتغير. فالمغرب في عام 2026 ليس هو المغرب الذي كان عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاما. إنه بلد شاب، شديد الاتصال بالعالم، تتسع فيه دوائر الانفتاح الاقتصادي والثقافي، ويتعاظم حضوره في المحيط الإقليمي والدولي. لقد أصبحت الرباط، خلال السنوات الأخيرة، محاورا لا غنى عنه بالنسبة إلى أوروبا، وإفريقيا الغربية، والعالم العربي، والولايات المتحدة. كما تعزز موقع المملكة في الحسابات الإقليمية والدولية، واتسعت دوائر حضورها الاقتصادي والاستراتيجي. ولا يمكن لتحولات بهذا الحجم أن تمر من دون أن تترك آثارها على السياسة الداخلية. وفي الوقت نفسه، تكشف نتائج الانتخابات عن حقيقة أخرى لا تقل أهمية: التعددية السياسية موجودة، وهي تنتج آثارا ملموسة داخل المؤسسة البرلمانية.

فالأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، والعدالة والتنمية، إلى جانب بقية القوى السياسية، تتحرك داخل فضاء تعددي تتباين فيه المواقع والرهانات، وتجد نفسها أمام برلمان جديد سيعيد تشكيل علاقات القوة والتفاعل بين مختلف مكوناته. إن المنافسة السياسية ليست مشهدا هامشيا أو تفصيلا ثانويا في الحياة العامة للمملكة، وإنما أصبحت جزءا من حركتها المؤسساتية. وهنا تظهر واحدة من المشكلات التي تسم بعض القراءات الأوروبية للمغرب. فالمملكة لا تزال، في بعض الأحيان، تُرى من خلال مرايا قديمة، ومن خلال ثنائية مبسطة تختزل العالم إلى أوروبا ديمقراطية في جهة، وجنوب متوسطي يُنظر إليه من زاوية النقص أو التأخر في الجهة الأخرى.

غير أن المغرب الذي يتشكل اليوم أكثر تعقيدا من هذه الثنائية، وأكثر غنى من أن يستوعبه مثل هذا التصنيف. إنه بلد يراكم استثمارات واسعة في البنية التحتية، والصناعة، والطاقة، والسكك الحديدية، ويعيد تشكيل مدنه، ويطور قدراته اللوجستية والاقتصادية. وهو يستعد، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لاحتضان أحد أكبر المواعيد الرياضية العالمية، كأس العالم لكرة القدم2030. كما رسخ موقعه بوصفه مركزا لوجستيا وصناعيا يصل أوروبا بإفريقيا، في الوقت الذي يحافظ فيه على هوية وطنية قوية وعلى مساحة متزايدة من الاستقلالية في خياراته الاستراتيجية. وفي قلب هذا التحول الاقتصادي والجيوسياسي تتحرك السياسة الداخلية.

حتى قضية سبتة لا يمكن فصلها عن هذا السياق الأوسع. فأزمة الهجرة التي شهدتها المنطقة في أواخر يوليو لم تكن في صدارة الحملة الانتخابية، لكنها ذكرت بوضوح بأن المغرب أصبح لاعبا لا يمكن تجاوزه في المعادلات المتوسطية. فالحدود، والهجرة، والتعاون الأمني، والعلاقات مع مدريد، والدور الذي تؤديه المملكة في الوصل بين أوروبا وإفريقيا، كلها ملفات تجعل من الرباط طرفا حاضرا في صلب النقاش المتوسطي. المغرب ليس مجرد بلد يقع على الطريق المؤدي إلى أوروبا. إنه فاعل سياسي واقتصادي واستراتيجي، وشريك لا يمكن تجاهل حضوره في عدد متزايد من القضايا التي تتجاوز حدوده. ومن هنا، فإن نظامه السياسي يستحق أن يقرأ خارج القوالب الجاهزة، وبعيدا عن الصور النمطية التي تختصر واقعا متحركا في أحكام ثابتة.

إن نسبة المشاركة البالغة 38.08 في المائة لا تختصر المغرب، ولا يمكن لرقم واحد أن يروي قصة مجتمع بأكمله. إنها جزء من الصورة، لا الصورة كلها. وقد تعكس تغيرا في علاقة المواطن بالسياسة، كما يمكن أن تكون مرآة لتحولات اجتماعية وجيلية أوسع، وهي تحولات لا تتوقف عند الحدود المغربية، بل تمتد إلى مجتمعات عديدة على امتداد المتوسط. أما تحويل هذا الرقم تلقائيا إلى دليل على فشل الديمقراطية، فهو قراءة تختزل واقعا شديد التركيب في مؤشر واحد. فالديمقراطية ليست مسابقة في عدد الأقدام التي تعبر أبواب مراكز الاقتراع. الديمقراطية، قبل كل شيء، فضاء للتنافس السياسي، والتعددية، وحرية الاختيار، وإمكان التعبير عن التأييد والرفض، وقدرة القوى السياسية على كسب الثقة وفقدانها واستعادتها. وحين لا يكون التصويت إلزاميا، فإن امتناع المواطن عن المشاركة في الاقتراع يظل، من حيث المبدأ، داخل دائرة الحرية الفردية، وإن كان لا يحمل بالضرورة معنى سياسيا واحدا أو محددا.

ومن هذه الزاوية، فإن الظاهرة المغربية لا تبدو منفصلة عن مسار أوسع تعرفه الديمقراطيات المعاصرة. بل يمكن النظر إليها باعتبارها وجها آخر من وجوه التحولات التي تعرفها المجتمعات الحديثة، وعنصرا إضافيا في اندماج المغرب في الديناميات السياسية والاجتماعية التي تعبر الفضاء المتوسطي. لكن الانتخابات لا تنتهي عند إعلان النتائج. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد ذلك. إن المسؤولية تقع الآن على عاتق الأحزاب والقوى السياسية التي ستجد نفسها أمام مجتمع يتغير بوتيرة متسارعة، وأمام أجيال جديدة لها انتظارات مختلفة، وأسئلة جديدة، وعلاقة مختلفة بالمؤسسات والعمل السياسي. وعلى الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، والاستقلال، والعدالة والتنمية، وسائر القوى الممثلة في البرلمان، أن تثبت قدرتها على فهم هذا التحول ومخاطبة المجتمع الذي أفرزته.

وهذه هي طبيعة السياسة الديمقراطية: لا شيء من رصيد الثقة يبقى مضمونا إلى الأبد. التأييد يُكتسب، ويمكن أن يُفقد، ويتغير بتغير الظروف، ويتحرك مع تحولات المجتمع وتطلعاته. ومن هنا، فإن الانتخابات المغربية لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها خاتمة لمرحلة، بل بوصفها بداية لمرحلة جديدة. أما العزوف عن التصويت، فلا ينبغي أن يتحول إلى حكم قضائي على النظام السياسي المغربي، ولا إلى مرآة وحيدة تقاس بها ديمقراطية المملكة. إنه ظاهرة لها أسباب متعددة، ومؤشر يحتاج إلى الفهم، وجزء من التحولات التي تعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والسياسة والمؤسسات. إن انخفاض المشاركة لا يحكي وحده قصة المغرب، كما أن ارتفاعها لا يمكن أن يكون وحده معيارا للحكم على طبيعة نظامه السياسي. المغرب يتحرك داخل تحول أوسع من مجرد انتخابات.

إنّه يتغير اجتماعيا واقتصاديا وديموغرافيا، ويوسع حضوره الإقليمي والدولي، ويعيد صياغة موقعه في الفضاء المتوسطي والإفريقي. ولهذا فإن قراءته من خلال أحكام جاهزة، أو مقارنات مبسطة، أو قوالب مستوردة من تجارب أخرى، لن تكون كافية لفهم التحولات التي يعيشها. فالرباط لا تحتاج إلى أن تُروى من خلال قوالب مسبقة الصنع. والمغرب لا يحتاج إلى أن يوضع في صورة ثابتة ثم يقاس عليها كل ما يحدث داخله. إنه ينبغي أن يُقرأ كما أصبح: قوة متوسطية وإفريقية في طور التحول، ذات هوية سياسية خاصة، وحضور دولي متنام، ومجتمع يزداد تعقيدا وتنوعا، ودينامية سياسية تعكس، بدرجات متفاوتة، هذا التحول العميق. وفي صناديق الاقتراع أيضا بدأت ملامح هذا التحول تظهر. وذلك هو المعنى الذي ينبغي أن نبحث عنه في الرقم، قبل أن نحوله إلى حكم.

One thought on “المغرب.. امتحان النضج السياسي: العزوف عن التصويت ليس هزيمة للديمقراطية

  1. ما يمكن اعتباره ” عزوفا” تسمية ليست موضوعية، بحيث أن الأمر يقتضي وضوحا في الموقف من الشأن السياسي. الأرقام التي رشحت عن تجربة هذه السنة يتعين أن نتعامل معها بوصفها مؤشرات يرسلها المجتمع لكي تتم قراءتها لفهم الخلل، قبل أن يباغتنا هذا الشاب المتحمس لما ينظج نظرته، غدا. لشباب اليوم مفهوم خاص للزمن، زمن السرعة وتسريع السرعة في أجرأة السياسات العمومية ولا مجال للبطء….على الشأن السياسي أن يغير السرعة الاستجابة للانتظارات المستعجلة في مخيلة الشباب….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *