بقلم الإعلامي البشير حيمري-كوبنهاغن
حين تتحول التظاهرات الثقافية من مناسبة للتعريف بالهوية المغربية إلى مصدر للتساؤلات حول المسؤولية والالتزام، يصبح من واجبنا أن نتوقف، لا للتشهير، بل للمساءلة، ولا لإصدار الأحكام، بل لفهم مكامن الخلل قبل أن تتحول الاستثناءات إلى أزمة ثقة بين الدول والمؤسسات. لم يكن تنظيم معرض للصناعة التقليدية المغربية في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن حدثا عاديا في ظاهره. فقد امتد على مدى أسبوع كامل، تخللته عروض موسيقية، واستعراضات للأزياء التقليدية المغربية، وتقديم أطباق تجسد غنى المطبخ الوطني وتنوعه، في محاولة لإبراز جانب من الرصيد الحضاري والثقافي الذي يميز المملكة المغربية. وهي مبادرات يمكن أن تسهم، متى أحسن تنظيمها وتسويقها، في تعزيز حضور المغرب بالخارج، وفتح آفاق جديدة أمام الصناع التقليديين، وتوطيد العلاقات الثقافية والاقتصادية مع بلدان الاستقبال.
غير أن ما أثير عقب انتهاء هذه التظاهرة بشأن مغادرة عدد من المشاركين، من العارضين وأفراد الفرقة الموسيقية، إلى وجهات غير معلومة، وما تردد عن عدم عودتهم إلى المغرب، نقل النقاش من الاحتفاء بالثقافة المغربية إلى أسئلة أكثر حساسية تتعلق بجدوى التنظيم، ومسؤولية الجهات المشرفة، وحدود الالتزامات التي ترافق مشاركة الوفود في مثل هذه التظاهرات الدولية. وهنا لا بد من التمييز بين الوقائع التي جرى التحقق منها، والأخبار المتداولة، والاستنتاجات التي لم تحسمها بعد أي جهة مختصة. فمغادرة المشاركين إلى وجهات غير معلومة لا تثبت، في حد ذاتها، أن جميعهم قصدوا الإقامة غير النظامية، كما أن عدم العودة الفورية لا يكفي وحده للحكم على وضعهم القانوني. لكن إذا تأكد أن بعض المشاركين استغلوا المعرض للبقاء خارج الأطر القانونية، فإن الحادثة تستحق تحقيقا جديا، ليس فقط لتحديد المسؤوليات، بل لمنع تكرارها مستقبلا.
حين تصبح الثقافة سؤالا سياسيا
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل تحولت بعض المعارض الثقافية والتجارية التي تنظمها الجهات الرسمية أو تشرف عليها مؤسسات مغربية بالخارج إلى فرصة محتملة للهجرة غير النظامية، بدل أن تكون جسرا للتبادل الثقافي والتعريف بالمنتوج الوطني؟ إن طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في نوايا كل مشارك، ولا الانتقاص من قيمة الصناعة التقليدية المغربية، ولا التقليل من الجهود التي يبذلها الصناع والحرفيون للتعريف بإبداعاتهم. لكنه يعكس ضرورة مراجعة آليات اختيار المشاركين، والتحقق من طبيعة الملفات المقدمة، وتحديد المسؤوليات التنظيمية والإدارية، وتقييم المخاطر المحتملة قبل منح التأشيرات أو تنظيم السفر الجماعي.
فالمعرض الذي يفترض أن يقدم صورة مشرقة عن المغرب لا ينبغي أن ينتهي بأخبار تضع الجهات المنظمة أمام أسئلة محرجة، ولا أن تتحول أهدافه الثقافية والاقتصادية إلى موضوع للشك والريبة. لقد باتت السمعة الدولية للدول عنصرا أساسيا في نجاح مبادراتها الاقتصادية والثقافية. والصورة التي تتكون لدى السلطات والجمهور في بلد الاستقبال لا تتشكل فقط من جودة المنتوجات المعروضة أو جمال الأزياء والموسيقى، بل كذلك من مدى احترام المشاركين للقوانين، وشفافية التنظيم، وقدرة المؤسسات على الوفاء بالتزاماتها. ومن هنا، فإن أي إخلال محتمل بشروط المشاركة أو الإقامة لا ينبغي التعامل معه باعتباره حادثا يمكن تجاوزه بالصمت، بل باعتباره مناسبة لتقييم المنظومة برمتها.
من يتحمل المسؤولية؟
هذا هو السؤال الأصعب، وهو أيضا السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع وسط تبادل الاتهامات. هل تقع المسؤولية على المشاركين الذين قد يثبت أنهم تعمدوا مخالفة شروط تأشيراتهم؟ أم على لجنة التنظيم التي تولت اختيار الوفد والإشراف على تنقله؟ أم على المؤسسات الرسمية التي رعت التظاهرة وقدمتها باعتبارها واجهة للثقافة المغربية؟ أم أن المسؤولية، إن ثبت وجود تقصير، موزعة بين أطراف متعددة، بحسب الاختصاص والالتزامات الفعلية لكل طرف؟
من الناحية القانونية، لا يجوز تحميل لجنة التنظيم أو الجهات الرسمية مسؤولية أفعال فردية لمجرد وقوعها أثناء المعرض. فالمسؤولية تتطلب تحديد الواجبات التي كانت تقع على كل جهة، والتحقق من وجود تقصير أو إخلال، وإثبات العلاقة بين ذلك التقصير والنتائج التي ترتبت عليه. لكن هذا التمييز القانوني لا يعفي المؤسسات من واجب التقييم والمساءلة الإدارية. فإذا كانت الجهة المنظمة قد تولت اختيار المشاركين، وترتيب سفرهم، والتنسيق مع المؤسسات المعنية، فإن من حق الرأي العام أن يعرف المعايير المعتمدة، والإجراءات المتخذة، ومدى احترامها للقواعد المعمول بها.
وإذا كانت هناك التزامات رسمية قدمت إلى السلطات الدنماركية بشأن طبيعة الزيارة ومدتها وعودة المشاركين، فمن المشروع التساؤل عن كيفية ضمان احترامها، وعن التدابير التي اتخذت لتفادي أي إخلال بها. إن المسؤولية المؤسساتية لا تعني بالضرورة ارتكاب مخالفة قانونية، لكنها تقتضي الشفافية وتقديم التوضيحات عند وقوع أحداث قد تمس بمصداقية العمل العام.
كوبنهاغن ليست مجرد محطة للعرض
تكتسب هذه القضية أهمية إضافية لأنها وقعت في الدنمارك، حيث تقوم العلاقات بين المؤسسات على احترام الإجراءات والالتزامات، وتعطى للمصداقية الإدارية أهمية كبيرة في التعامل مع المبادرات الدولية. ومع ذلك، ينبغي الحذر من القفز إلى استنتاج مفاده أن السلطات الدنماركية سترفض مستقبلا جميع المعارض المغربية أو تمنع الوفود الثقافية من المشاركة. فمثل هذا الحكم لا يمكن الجزم به دون معرفة الموقف الرسمي للسلطات الدنماركية، وطبيعة المخالفات التي ثبتت فعليا، ومدى تأثيرها في تقييم الطلبات المستقبلية. لكن المؤكد أن أي حادثة من هذا النوع قد تدفع الجهات المختصة إلى مزيد من التدقيق في ملفات المشاركين، أو طلب ضمانات إضافية، أو مراجعة إجراءات تنظيم الوفود، إذا تبين أن هناك إخلالا بشروط الدخول والإقامة.
وهذا وحده كاف لإدراك حجم المخاطر التي قد تترتب على سوء التنظيم أو غياب آليات التتبع والتقييم. فالمغرب لا يحتاج إلى أن يخسر فرص التعاون الثقافي بسبب أخطاء كان بالإمكان تفاديها، كما أن الصناع التقليديين الملتزمين لا ينبغي أن يدفعوا ثمن تصرفات أفراد آخرين. والرهان الحقيقي هو حماية سمعة المشاركة المغربية، وضمان استمرار انفتاح الأسواق الأوروبية على المنتوجات الوطنية، وتوفير شروط عادلة وشفافة أمام الحرفيين الذين يسعون إلى تطوير أعمالهم خارج الحدود.
هل نحسن تنظيم المعارض أم نكتفي بافتتاحها؟
ثمة سؤال آخر لا يقل أهمية: ما المعايير التي نعتمدها لتقييم نجاح المعارض المغربية بالخارج؟ هل يكفي أن يحضر مسؤول رسمي حفل الافتتاح، وأن ترفع الأعلام، وتلقى الكلمات، وتلتقط الصور، ثم تعلن التظاهرة ناجحة؟ أم ينبغي أن يكون التقييم قائما على مؤشرات واضحة تشمل عدد الزوار، وحجم المبيعات، والعقود التجارية التي أبرمت، وفرص الشراكة التي أنشئت، ومدى استفادة الصناع التقليديين، واحترام الالتزامات التنظيمية والقانونية؟ إن الحديث عن ضعف الإقبال الدنماركي، إن أكدته بيانات موثوقة، يفتح بدوره بابا للنقاش حول جدوى الإنفاق على التظاهرات الخارجية، ومدى ملاءمة اختيار المكان والموعد، وفاعلية الحملات الترويجية، وحجم الجمهور المستهدف.
فليس من الحكمة أن ننظم معرضا في بلد أوروبي ثم ننتظر أن يتوافد الجمهور تلقائيا، من دون دراسة السوق المحلية، وفهم اهتمامات المستهلكين، والتنسيق مع الفاعلين الاقتصاديين والإعلاميين، والاستفادة من الجاليات المغربية بوصفها شريكا في الترويج والتعريف بالمنتوج الوطني. إن نجاح الدبلوماسية الثقافية لا يقاس بعدد المشاركين في الوفد، ولا بمستوى التمثيل الرسمي وحده، بل بقدرتها على بناء علاقات مستدامة، وتحقيق نتائج اقتصادية ملموسة، وتعزيز صورة البلد على المدى الطويل.
الهجرة غير النظامية: عرض للأزمة أم أزمة في تدبير الفرص؟
لا يمكن مناقشة هذه القضية بجدية من دون الالتفات إلى السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي يجعل الهجرة هدفا لبعض المشاركين. فالمغرب بلد يمتلك رصيدا ثقافيا وحرفيا كبيرا، لكنه يواجه، شأنه شأن بلدان أخرى، تحديات تتعلق بالتشغيل والدخل وتكافؤ الفرص. ومع ذلك، لا ينبغي اختزال كل محاولة محتملة للبقاء في الخارج في الفقر وحده، أو افتراض أن جميع المشاركين يحملون النية نفسها. فالأشخاص يختلفون في دوافعهم وظروفهم، ولا يمكن استنتاج النوايا الجماعية من تصرفات أفراد. لكن إذا ثبت أن بعض الأشخاص استغلوا المشاركة في المعرض وسيلة للبقاء خارج الأطر القانونية، فإن ذلك يطرح سؤالا يتجاوز الواقعة نفسها: كيف يمكن تحويل المشاركة الثقافية والتجارية إلى فرصة حقيقية للتنمية، بدلا من أن تصبح في نظر البعض مجرد طريق محتمل للهجرة؟
الجواب لا يكون بإغلاق أبواب المشاركة أمام الحرفيين، ولا بتشديد الإجراءات على الجميع دون تمييز، بل بإرساء نظام واضح وشفاف لاختيار المشاركين، وتقديم معلومات دقيقة عن شروط السفر والإقامة، وتحديد المسؤوليات، ومتابعة نتائج المعارض، واتخاذ الإجراءات المناسبة عند ثبوت أي تجاوز. كما ينبغي ألا تتحول الرغبة في الحد من الهجرة غير النظامية إلى ذريعة لحرمان الصناع التقليديين من فرص مشروعة لتسويق منتجاتهم، ولا أن تتحول المعارض إلى فضاء يستغل فيه البعض جهود الآخرين لتحقيق أهداف شخصية لا علاقة لها بالتبادل الثقافي. إن التحدي هو بناء منظومة تجمع بين تشجيع الانفتاح الاقتصادي والثقافي واحترام قوانين بلدان الاستقبال، مع ضمان عدم تحميل المشاركين الملتزمين تبعات أخطاء لم يرتكبوها.
أسئلة تنتظر أجوبة رسمية
إن ما أثير بشأن معرض الصناعة التقليدية المغربية في كوبنهاغن يستدعي، في تقديري، توضيحا من الجهات المعنية، بعيدا عن التهويل والتستر معا. من هي الجهة التي أشرفت على تنظيم المعرض، وما المعايير التي اعتمدتها في اختيار المشاركين؟ هل توجد معطيات رسمية تؤكد عدد الأشخاص الذين غادروا مقر الإقامة أو تعذر التواصل معهم بعد انتهاء التظاهرة؟ وهل ثبت أنهم خالفوا شروط تأشيراتهم؟ ما طبيعة الالتزامات التي قدمت إلى السلطات الدنماركية بشأن الوفد، ومن كان مسؤولا عن تنفيذها ومتابعتها؟ هل خضعت التظاهرة لتقييم مالي وتنظيمي يوضح حجم الإنفاق، وعدد الزوار، والنتائج التجارية والثقافية المحققة؟ وما التدابير التي ستتخذها الجهات المعنية لتفادي تكرار أي اختلال محتمل، وحماية فرص مشاركة الحرفيين المغاربة في المعارض الدولية المقبلة؟ هذه ليست أسئلة للتشهير، وإنما أسئلة مشروعة يفرضها مبدأ الشفافية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمبادرات تحمل اسم المغرب وتقدم في الخارج باعتبارها جزءا من صورته الثقافية والاقتصادية.
حماية صورة المغرب تبدأ بمحاسبة الخلل
إن معرض كوبنهاغن، بصرف النظر عما ستكشف عنه التحقيقات والتوضيحات الرسمية، ينبغي أن يكون مناسبة لمراجعة طريقة تنظيم المعارض المغربية بالخارج، والانتقال من منطق المناسبات والافتتاحات إلى منطق التخطيط والنتائج والمسؤولية. فالمغرب يمتلك ما يكفي من المؤهلات الحضارية والإبداعية ليكون حاضرا بقوة في الأسواق الأوروبية، وصناعته التقليدية قادرة على أن تكون جسرا للتنمية والتعريف بالهوية الوطنية. لكن هذا الرصيد يحتاج إلى إدارة مهنية، واختيار دقيق للشركاء والمشاركين، وتقييم موضوعي للنتائج، وشفافية في التعامل مع أي إخفاق.
وإذا ثبت أن أفرادا استغلوا المشاركة في المعرض لمخالفة شروط إقامتهم، فينبغي التعامل مع الأمر وفق القانون، من دون تعميم الاتهام على بقية الوفد أو تحميل المؤسسات مسؤوليات لم تثبت. وإذا كشف التقييم عن تقصير تنظيمي أو إداري، فإن الاعتراف به ومعالجته سيكونان أكثر فائدة للمغرب من الصمت أو تبادل الاتهامات. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من غادر المعرض ولم يعد؟ بل أيضا: هل نملك من آليات التدبير والتقييم والمساءلة ما يكفي حتى لا تتحول مبادراتنا الثقافية إلى مصدر للأزمات بدل أن تكون رافعة لصورة الوطن؟
إن سمعة المغرب ليست مسؤولية المشاركين وحدهم، ولا لجنة التنظيم وحدها، بل هي حصيلة عمل مؤسساتي متكامل، أساسه التخطيط والشفافية واحترام القانون. وحين تغيب هذه العناصر، يصبح النجاح الظاهري معرضا لأن يتحول إلى إخفاق مكلف. لقد آن الأوان لأن نتعامل مع المعارض المغربية بالخارج بوصفها استثمارا ثقافيا واقتصاديا ودبلوماسيا يستحق المهنية والمحاسبة، لا مجرد تظاهرات عابرة تنتهي بانتهاء أيامها، وتبقى أسئلتها معلقة بعد مغادرة الوفود.
