ذاكرة وزارة لا تموت كلّما تغيرت الحكومة؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك أفكار سياسية تبدو، حين تخرج من فم صاحبها، كأنها مجرد تفصيل إداري صغير، ثم يتبين بعد لحظات أنها تمس عصب الدولة كله. أن يبقى وزير التربية والتعليم في منصبه خمس سنوات. قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، مجرد اقتراح يتعلق بتشكيل الحكومة. وزير يأتي، وزير يذهب، حقيبة تنتقل من يد إلى يد، وموظفون يعيدون ترتيب مكاتبهم، ثم تبدأ دورة جديدة من التعليمات والخطط والشعارات. لكن المدرسة لا تعمل بهذه السرعة. المدرسة كائن بطيء. والتعليم شجرة لا يمكن اقتلاعها كل صباح لمعرفة إن كانت جذورها قد نمت. التلميذ الذي يدخل القسم في السادسة من عمره لا ينتظر دورة سياسية كي يكبر. إنه يمضي في طريقه، عاما بعد عام، بينما تتبدل الحكومات، وتتغير العناوين، وتولد البرامج وتموت، ويظهر وزير جديد فيكتشف أن التعليم كان، قبله، يسير في الاتجاه الخطأ. ثم يمسك ممحاة السياسة ويمحو اللوح. وهنا تبدأ المشكلة. ليس لأن كل وزير جديد سيئ. ولا لأن كل إصلاح سابق كان صحيحا. بل لأن التعليم، في جوهره، يحتاج إلى شيء نادر في السياسة: الاستمرارية. السياسة تحب النتائج السريعة. أما التربية فتزرع في الشتاء شيئا لن تراه إلا بعد سنوات. السياسي ينظر إلى الساعة. والمدرسة تنظر إلى جيل كامل.

ومن هنا يمكن فهم أهمية اقتراح غابرييل أتال، الذي تحدث عن إبقاء وزير التربية الوطنية في منصبه طوال خمس سنوات، وربط ذلك بقانون برمجة طويل المدى للتعليم وبهدف رفع فرنسا إلى موقع متقدم في تصنيفات PISA خلال عشرة إلى خمسة عشر عاما. المسألة إذن ليست أن يبقى شخص بعينه في الوزارة. المسألة أن يبقى المشروع. وهذا فرق هائل. فالوزير ليس المدرسة. والوزارة ليست التعليم. والدولة لا ينبغي أن تربط مستقبل أطفالها بعمر سياسي لشخص واحد. لكن إذا كان الوزير يغادر قبل أن تبدأ نتائج الإصلاح في الظهور، فإن المؤسسة نفسها تفقد الذاكرة، ويتحول كل إصلاح جديد إلى عملية زرع شجرة فوق شجرة، حتى يصبح لدينا غابة من الخطط ولا ظل فيها. في أنظمة كثيرة، هناك مرض سياسي غريب: كل مسؤول يريد أن يترك بصمته. فيأتي الوزير الجديد، فينظر إلى الملفات القديمة كما ينظر فاتح مدينة إلى خرائط من سبقه. يغير أسماء البرامج. يعيد ترتيب الأولويات. يخلق لجانا. يعلن عن خطة جديدة. ثم يقول للناس إن صفحة جديدة قد فتحت. لكن المشكلة أن الطفل لا يعيش في الصفحات. الطفل يعيش في السنوات.

إذا تعلم اليوم بطريقة، ثم تغيرت الطريقة غدا، ثم تغيرت بعد عامين، ثم جاءت فلسفة ثالثة مع وزير ثالث، فإن المدرسة تتحول من مؤسسة للتعلم إلى مختبر مستمر لتجريب الأفكار. والمختبر الذي لا يعرف متى تنتهي التجربة قد يصبح خطرا على الذين يعيشون داخله. لهذا فإن أخطر عبارة يمكن أن تسمعها المدرسة ليست: “الإصلاح فشل”. بل: “سنبدأ من جديد”. فكل بداية جديدة لها ثمن. والتلميذ هو الذي يدفعه. والمدرس هو الذي يدفعه. والأسرة هي التي تدفعه. أما صاحب القرار، فيمكنه أن يغادر الوزارة ويترك خلفه خطة تحمل اسمه. التعليم لا يحتمل أن تكون له ذاكرة سمكة. إنه يحتاج إلى ذاكرة دولة. وهنا يصبح اقتراح بقاء وزير التربية خمس سنوات مهما، لكن بشرط واحد: ألا يتحول الوزير نفسه إلى مركز النظام. فإذا كان الإصلاح قائما على شخص، فإن رحيل الشخص يعيدنا إلى الصفر. أما إذا كان قائما على مؤسسات، وقواعد، وتموي ، وتقييم، وتكوين للمدرسين، ومناهج مستقرة، ومؤشرات قابلة للقياس، فإن الوزير يصبح حارسا للاتجاه لا مالكا للطريق. وهذا هو الفرق بين الدولة التي تبني سياسة تعليمية والدولة التي تبني وزراء التعليم. الأولى تفكر في الأجيال. والثانية تفكر في التعديل الوزاري.

ولعل العبارة الأكثر غرابة في السياسة الحديثة هي أننا نطلب من المدرسة أن تعلم الأطفال الصبر، بينما لا نمنح التعليم نفسه أي فرصة للصبر. نريد نتائج سريعة. نريد ارتفاعا فوريا في المؤشرات. نريد أن يتحسن ترتيبنا في PISA. نريد تقليص الفوارق. نريد مدارس أفضل. نريد مدرسين أفضل. نريد تلاميذ أكثر نجاحا. لكن التربية ليست آلة تضع فيها ميزانية فتخرج منها نتائج في نهاية السنة المالية. إنها أقرب إلى نهر تحت الأرض. قد تحفر سنوات ولا ترى الماء، ثم يظهر فجأة في مكان لم تكن تتوقعه. ولهذا فإن الهدف الذي يتحدث عن أفق عشرة أو خمسة عشر عاما ليس ترفا زمنيا. إنه اعتراف، ولو ضمنيا، بأن إصلاح التعليم الحقيقي لا يقاس بعمر حكومة. لكن هنا أيضا ينبغي الحذر. الاستمرارية لا تعني الجمود. والاستقرار لا يعني أن يصبح الوزير حاكما أبديا على مدرسة لا تتغير. هناك فرق بين أن تمنح السياسة التعليمية وقتا كي تنضج، وبين أن تمنح الأخطاء وقتا كي تتجذر. فالاستمرار فضيلة حين يكون الاتجاه صحيحا. ويصبح كارثة حين يكون القطار يسير نحو الجدار. ولهذا تحتاج فرنسا، كما تحتاج أي دولة تريد إصلاح تعليمها، إلى شيء أكثر صعوبة من إبقاء وزير في منصبه: تحتاج إلى بناء آلية تستطيع أن تميز بين الإصلاح الذي يحتاج إلى وقت، والإصلاح الذي يحتاج إلى إنقاذ.

وهنا تظهر قيمة المؤسسات المستقلة للتقييم. فلا ينبغي أن يكون الوزير هو الذي يعلن نجاح سياسته، ثم يصفق لها، ثم يكتب تقريرا عن نجاحها. يجب أن تكون هناك عيون أخرى. باحثون. مفتشون. جامعات. هيئات تقييم. مدرسون. أسر. وتلاميذ أيضا. لأن الطفل هو المستهلك الأخير لكل تلك السياسات التي تولد في المكاتب المكيفة. قد تكتب الوزارة وثيقة جميلة من مئات الصفحات، لكن سؤالا واحدا داخل قسم مزدحم قد يهدم نصفها: هل يتعلم الطفل فعلا؟ وهنا نصل إلى جوهر المسألة. المشكلة ليست فقط في عدد الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة التربية. المشكلة في أن كل وزير قد يأتي ومعه قاموسه الخاص. هذا يسميه إصلاحا. وذاك يسميه تحولا. وثالث يتحدث عن إعادة تأسيس. ورابع عن قطيعة. فتصبح المدرسة كأنها مدينة تتعرض كل خمس سنوات لزلزال لغوي. المباني قد تبقى في مكانها، لكن أسماء الشوارع تتغير. والمعلم نفسه، الذي يفترض أن يكون قائد العملية التعليمية، يجد نفسه في كل مرة مضطرا إلى فك شيفرة جديدة. وهذا أحد أكثر أشكال الهدر صمتا في التعليم. هدر الوقت. هدر الطاقة. هدر الثقة. حين يشعر المدرس أن كل ما يتعلمه اليوم قد يصبح غدا جزءا من الماضي، فإنه يتوقف تدريجيا عن الاستثمار النفسي في الإصلاح. وحين تشعر الأسرة أن المدرسة تغير جلدها كل موسم سياسي، فإن الثقة تبدأ في الذوبان. أما التلميذ، فلا يملك حتى رفاهية الانتظار. إنه يعيش التجربة الآن.

ولهذا فإن استقرار القيادة يمكن أن يكون مفيدا، ليس لأن الوزير يمتلك عصا سحرية، بل لأن المؤسسات التعليمية تحتاج إلى زمن كي تستوعب التغيير. لكن هناك سؤالا أعمق: لماذا نحتاج أصلا إلى وزير تربية يبقى خمس سنوات كي نضمن الاستمرارية؟ لماذا لا تكون الاستمرارية جزءا من النظام نفسه؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يذهب أبعد من اقتراح أتال. الدولة الناضجة لا ينبغي أن تكون مضطرة إلى حماية المدرسة من تقلب الوزراء. المدرسة يجب أن تكون محمية بالقانون، وبالمؤسسات، وبالتخطيط، وبالتوافق الوطني حول المبادئ الكبرى. يمكن للوزراء أن يختلفوا في التفاصيل. لكن لا ينبغي أن يختلفوا كل مرة حول معنى المدرسة نفسها. هل المدرسة مكان لحفظ المعلومات؟ أم لبناء الإنسان؟ هل وظيفتها إعداد اليد العاملة فقط؟ أم إعداد المواطن؟ هل النجاح هو الحصول على شهادة؟ أم امتلاك القدرة على التفكير؟ هل التلميذ رقم في إحصاء النجاح؟ أم مشروع إنسان؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن تموت وتولد مع الوزراء. إنها أسئلة دولة. ولذلك فإن فكرة الوزير الذي يبقى خمس سنوات قد تكون بداية نقاش مهم، لكنها لا ينبغي أن تكون نهايته. الوزير المستقر جيد. لكن السياسة المستقرة أفضل. والمؤسسة المستقرة أفضل من الإثنين. ثم هناك مسألة لا تقل أهمية: المعلم. كل حديث عن إصلاح التعليم يتجه بسرعة إلى التلميذ، ثم إلى المناهج، ثم إلى الامتحانات، ثم إلى ترتيب الدولة في المؤشرات الدولية. لكن في منتصف هذه العاصفة يقف شخص يحمل طبشورة أو قلما، ويدخل كل صباح إلى الفصل. إنه المدرس. ذلك الكائن الذي يطلب منه النظام التعليمي أن يكون مكونا، ومربيا، ومرشدا، وأحيانا أخصائيا اجتماعيا، ثم يمنحه في النهاية ملفا من التعليمات ويطلب منه أن يطبق. إذا أردنا إصلاح التعليم، فعلينا أن نمنح المدرس شيئا يشبه الاستقرار الذي نطالب به للوزير. تكوين مستمر. مسارا مهنيا. احتراما اجتماعيا. أجرا عادلا. وأهم من ذلك كله: ثقة. لا يمكن بناء مدرسة عظيمة فوق مدرس يشعر أن كل سنة تأتي بتعليمات جديدة، وكل وزير جديد يحمل معه فلسفة جديدة، وكل إصلاح يطلب منه أن يبدأ من جديد. المدرسة لا تحتاج إلى ثورة كل صباح. تحتاج إلى عقل طويل النفس.

وهنا تصبح فكرة “الأم لجميع المعارك”، التي استخدمها أتال لوصف التعليم، أكثر من شعار انتخابي. فإذا كانت المدرسة أم المعارك، فلا يمكن أن تخاض هذه المعركة بعقلية الحرب الخاطفة. التعليم ليس معركة نريد أن نربحها مساء الجمعة. إنه حرب طويلة ضد الجهل، والتفاوت، والفشل، والعزلة الاجتماعية، وإعادة إنتاج الفقر. والخصم هنا لا يرتدي زيا عسكريا. إنه قد يكون طفلا يجلس في آخر الصف، صامتا، لا يفهم الدرس، ولا يعرف كيف يطلب المساعدة. قد يكون طفلة فقدت الثقة بنفسها. وقد يكون شابا غادر المدرسة وهو يحمل شهادة، لكنه لم يحمل معها القدرة على بناء حياته. لهذا فإن المدرسة ليست فقط مؤسسة تعليمية. إنها مصنع للفرص. وإذا تعطل المصنع، لا يظهر العطل في الميزانية وحدها. يظهر بعد عشرين عاما في البطالة. وفي التفاوت. وفي الغضب الاجتماعي. وفي ضعف الإنتاجية. وفي فقدان الثقة بالدولة. وفي ذلك الشعور الغامض الذي يجعل جيلا كاملا يعتقد أن السلم الاجتماعي قد اختفى، وأن المكان الذي ولد فيه يحدد المكان الذي سيموت فيه.

وهنا نكتشف أن إصلاح التعليم ليس سياسة اجتماعية فقط. إنه سياسة اقتصادية. وسياسة ديمقراطية. وسياسة أمن قومي أيضا. الدولة التي تترك مدارسها تنهار تترك أبوابا مفتوحة لمشكلات لا تعرف كيف تغلقها لاحقا. أما الدولة التي تستثمر في المدرسة، فهي لا تبني فقط تلميذا يعرف القراءة والرياضيات. إنها تبني مواطنا أقل قابلية للتلاعب، وأكثر قدرة على التفكير، وأكثر قدرة على فهم العالم، وأكثر قدرة على مقاومة الأكاذيب التي أصبحت اليوم أسرع من الضوء. وفي زمن الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه المسألة أكثر خطورة. لأن الطفل لم يعد يعيش في عالم يمكن للمدرسة أن تتحكم وحدها في مصادر المعرفة داخله. المعلومة تأتيه من الهاتف. والصورة تأتيه من الخوارزمية. والخبر قد يكون حقيقيا أو ملفقا. والفيديو قد يكون واقعيا أو مصنعا. والآلة أصبحت قادرة على إنتاج نصوص وصور وأصوات تكاد تخدع العين. في هذا العالم، لا يكفي أن نعلم الطفل ماذا يفكر. يجب أن نعلمه كيف يفكر.

وهذا إصلاح لا يمكن إنجازه كلما تغير الوزير. إنه يحتاج إلى فلسفة تعليمية كاملة. ربما لهذا فإن أفضل ما يمكن أن تفعله فرنسا ليس فقط أن تبقي وزير التربية خمس سنوات، بل أن تمنح التعليم ما هو أثمن من عمر وزير: أن تمنحه ذاكرة. أن تمنحه اتجاها. أن تمنحه وقتا. أن تمنحه مؤسسات تستطيع أن تقول للسياسي: غير ما تشاء من التفاصيل، لكن لا تهدم البيت كلما دخلت إليه. فالمدرسة ليست مكتب الوزير. المدرسة هي المكان الذي يذهب إليه مستقبل الدولة كل صباح. هناك يدخل الأطفال بحقائب صغيرة، بينما تدخل معهم، من دون أن يشعروا، ميزانية الدولة المقبلة، وسوق العمل المقبلة، والطبقة الوسطى المقبلة، والباحثون المقبلون، والأطباء المقبلون، والمهندسون المقبلون، وحتى الناخبون الذين سيقررون ذات يوم من يحكم البلاد. إنهم لا يحملون فقط كتبا. إنهم يحملون المستقبل في حقائبهم.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع غابرييل أتال أن يبقي وزير التربية خمس سنوات؟ السؤال الحقيقي أكبر بكثير: هل تستطيع فرنسا أن تمنح التعليم خمسة عشر عاما من الاستمرارية، حتى لو تغير الوزراء والحكومات والرؤساء؟ إذا كانت الإجابة نعم، فسيكون اقتراح السنوات الخمس مجرد بداية. أما إذا كانت الإجابة لا، فسنكون قد أبقينا الرجل في الكرسي، بينما تركنا الكرسي نفسه يدور. والمدرسة لا تحتاج إلى كرسي ثابت. تحتاج إلى أرض ثابتة. لأن الطفل الذي يدخل المدرسة اليوم لا يعرف شيئا عن عمر الحكومة. لا يعرف شيئا عن توازنات الأحزاب. ولا يهتم كثيرا بمن يحتل الوزارة. إنه يريد فقط أن يجد معلما يستطيع أن يعلمه، ومدرسة يستطيع أن يثق بها، ومستقبلا لا يشعر فيه أن حياته كانت ضحية لإعادة تدوير السياسة. ربما يكون أعظم إصلاح تعليمي هو أن نتوقف عن إصلاح التعليم بالطريقة التي نصلح بها واجهة مبنى كلما جاء مسؤول جديد. التعليم ليس واجهة. إنه الأساس. والأساس لا يحتاج إلى دهان جديد كل عام. يحتاج إلى أن يكون قويا بما يكفي كي تبقى الدولة كلها واقفة فوقه.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “ذاكرة وزارة لا تموت كلّما تغيرت الحكومة؟

  1. زمن التعلم والتمدرس، ليس هو الزمن الذي يقتضيه التدبير السياسي.، ومن تعلم التفكير زمن البطء والأفق الاستراتيجي، أم زمن المنطق التقني هو زمن السرعة بدون ذاكرة. من هنا سر فشل الخطاب الإصلاحي في مجال التربية والتعليم.، وكأن لكل وزير خطت- ه يتوهم أنها ستضيء المدرسة!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *