الصحراء المغربية بعد المينورسو… الملك محمد السادس يضع واشنطن أمام امتحان التاريخ

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك جغرافيات لا تكتفي بأن تكون أمكنة معلقة على جدران الأطالس، بل تتحول، حين تتقاطع فوقها إرادات الدول وحسابات القوى الكبرى، إلى مرايا كاشفة لحقيقة النظام الدولي بأسره. والصحراء المغربية واحدة من تلك الجغرافيات لوزنها في معادلات السيادة، وبما تختزنه من أسئلة التاريخ وموازين المستقبل. وحين تتعطل لغة مجلس الأمن، وتصل بعثة أممية إلى نهاية مسار امتد خمسة وثلاثين عاما، لا يكون السؤال عمن سيطفئ الأنوار بعد مغادرة المينورسو، بل عمن يمتلك القدرة على إعادة ترتيب المشهد دون أن يسمح للفراغ بأن يتحول إلى قدر سياسي وأمني. في هذا المنعطف تحديدا، جاء الاجتماع الذي ترأسه صاحب الجلالة الملك محمد السادس يوم 4 نونبر 2026، بحضور المسؤولين الحكوميين والأمنيين والعسكريين المعنيين بالملف، ليحمل دلالة تتجاوز طابعه المؤسساتي المباشر. لقد كان، في جوهره، انتقالا من مراقبة التحولات إلى الاستعداد لتدبيرها، ومن انتظار ما ستنتجه المؤسسات الدولية إلى ترتيب البيت الوطني وفق مقتضيات مرحلة جديدة. وبين تعثر مجلس الأمن ويقظة القرار المغربي، تتشكل مفارقة سياسية تستحق التأمل: العالم ما زال يبحث عن صيغة لإدارة النزاع، بينما المغرب يعيد تنظيم أدواته لمواجهة استحقاقات ما بعد المينورسو.

إن أهمية الاجتماع الملكي لا تكمن فقط في توقيته، بل في طبيعة الرسائل التي يحملها. فاجتماع المسؤولين الحكوميين والأمنيين والعسكريين تحت الرئاسة الملكية يكشف أن تدبير المرحلة لم يعد شأنا دبلوماسيا محصورا في قاعات التفاوض، بل أصبح ورشا وطنيا تتقاطع فيه حماية المجال الترابي، واليقظة الأمنية، والاستقرار الاجتماعي، واستمرارية التنمية، والتنسيق الدولي. إنها رؤية تعتبر الصحراء المغربية مجالا للحياة والسيادة والبناء، لا مجرد ملف تتناوب على تداوله البعثات الأممية والمبعوثون الدوليون. والأكثر دلالة أن المقاربة الملكية لم تتجه نحو صناعة قطيعة مع الالتزامات الدولية، وإنما نحو تدبير منظم لما بعد انتهاء مهمة البعثة. فمواكبة إجراءات تصفية المينورسو وانسحابها، من خلال آليات التنسيق الوطنية، تعكس إدراكا بأن انتهاء ولاية مؤسسة أممية لا يعني انتهاء المسؤوليات الدولية، ولا يمنح أي طرف رخصة لإنتاج الفوضى أو خلق وقائع ميدانية غير محسوبة.

هنا تظهر إحدى أهم خصائص المقاربة المغربية: عدم الخلط بين السيادة والتصعيد، وبين الحزم والمغامرة. فالمغرب، وهو يجدد تمسكه بوقف إطلاق النار، لا يبعث برسالة تراجع، بل يؤكد أن قوة الدولة تقاس أيضا بقدرتها على حماية الاستقرار ومنع الخصوم من جر المنطقة إلى حسابات النار. إن ضبط النفس ليس فراغا في القرار، كما أن احترام الالتزامات ليس انتقاصا من السيادة. بل إن الدولة الواثقة من خياراتها هي التي تستطيع الجمع بين صلابة الموقف وبرودة الحساب. وفي امتداد هذه الرؤية، يكتسب التشديد الملكي على مواصلة المشروع التنموي للأقاليم الجنوبية أهمية استراتيجية خاصة. فالتنمية هنا ليست زينة اقتصادية تضاف إلى الخطاب الدبلوماسي، وإنما لغة أخرى من لغات تثبيت الارتباط الوطني. الطريق والميناء والاستثمار والبنية التحتية ليست مجرد منشآت إسمنتية، بل عناصر في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، وتحويل المجال من موضوع للنزاع إلى فضاء للإنتاج والاندماج والاتصال بإفريقيا والعالم. ومن هذه الزاوية، تصبح التنمية فعلا سياديا طويل النفس، لا يقل أهمية عن التراكم الدبلوماسي.

لكن التحول المغربي يضع واشنطن أمام سؤال استراتيجي لا يمكن تأجيله طويلا: هل سيواصل مسعد بولس تحريك قنوات الحوار بين الأطراف، أم أن الإدارة الأمريكية ستنتظر إعادة ترتيب المسار الأممي؟ الأرجح أن الولايات المتحدة لن تتخلى بسهولة عن دورها، لأن الملف يتجاوز في حساباتها حدود نزاع إقليمي، ويرتبط بتوازنات المغرب العربي والساحل، وبالأمن الإقليمي، وبموقع المغرب في هندسة الاستقرار بشمال إفريقيا. غير أن واشنطن مطالبة اليوم بالانتقال من دبلوماسية إدارة الاختلاف إلى دبلوماسية صناعة التسوية. فليس كافيا أن تمتلك مفاتيح التواصل مع الأطراف، بل ينبغي أن تمتلك الإرادة السياسية لتقريبها من حل قابل للحياة. وقد تستمر التحركات الأمريكية خارج الإطار الأممي المباشر، لكن نجاحها سيظل مرتبطا بقدرتها على بناء مسار سياسي يحظى بقدر من القبول الدولي، ويمنح المفاوضات مضمونا عمليا لا مجرد صور جديدة حول طاولة قديمة.

أما الجزائر والبوليساريو، فتجدان نفسيهما أمام واقع لا يمكن التعامل معه بالأدوات الخطابية نفسها التي حكمت العقود الماضية. فغياب المينورسو يطرح أسئلة جوهرية حول مراقبة وقف إطلاق النار، ومستقبل العملية السياسية، وحدود المناورة الدبلوماسية. وقد يكون من السهل تحويل هذا التحول إلى مادة للتصعيد الإعلامي والميداني، لكن الأصعب هو تجاهل أن المنطقة لم تعد تحتمل جولة جديدة من الاستنزاف، وأن استمرار النزاع يراكم خسائر استراتيجية تتجاوز حدود الأطراف المباشرة. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال خطورة المنطقة العازلة، حيث قد يتحول حادث ميداني محدود إلى أزمة واسعة بفعل سوء التقدير وغياب آليات التهدئة. فالحروب لا تبدأ دائما بقرار معلن؛ قد تبدأ بتأويل خاطئ، أو بتحرك عسكري لم تحسب عواقبه، أو باعتقاد متبادل بأن الطرف الآخر لن يذهب بعيدا. ولهذا فإن اليقظة الأمنية وضبط النفس والحفاظ على قنوات التواصل تظل عناصر أساسية لمنع تحول الفراغ الأممي إلى فراغ في الاستقرار. ومع ذلك، فإن استحضار حرب 1975-1991 لا ينبغي أن يتحول إلى استنتاج حتمي. فالمغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، والبيئة الإقليمية والدولية تغيرت، وكلفة المواجهة المفتوحة أصبحت أكثر تعقيدا على جميع الأطراف. العقل الاستراتيجي لا يتجاهل السيناريوهات الخطيرة، لكنه لا يسمح لها بأن تتحول إلى نبوءات تقود القرار بدلا من أن يوجهها.

ولعل الرسالة الأعمق في الاجتماع الملكي أن المغرب لا يتعامل مع انتهاء مهمة المينورسو باعتباره نهاية للشرعية الدولية، ولا باعتباره مناسبة للاسترخاء السياسي، وإنما باعتباره انتقالا يستوجب إعادة تنظيم أدوات الدولة وتحصين مكتسباتها. فالرباط تتمسك بمرجعيتها الوطنية، وتواصل الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها الحل الواقعي والعملي، وفي الوقت نفسه لا تغلق أبواب المسار السياسي الذي تقتضيه المسؤولية الدولية. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد فقط: ماذا ستفعل الأمم المتحدة بعد المينورسو؟ بل ماذا ستفعل القوى الكبرى أمام مرحلة مغربية جديدة تقوم على المبادرة والاستباق، وعلى الجمع بين السيادة والتنمية والاستقرار؟ وهل ستدرك واشنطن أن الفرصة المتاحة ليست لإطالة عمر الوساطة، وإنما لتحويل تراكمها الدبلوماسي إلى أفق سياسي ينهي نزاعا استهلك أجيالا من المغاربيين؟

الصحراء المغربية ليست رقعة صامتة على هامش خرائط العالم، إنها اختبار لقدرة السياسة على تحويل الجغرافيا من ساحة تنازع إلى مجال للاستقرار والازدهار. والاجتماع الملكي الأخير يمكن قراءته باعتباره إشارة إلى دخول المغرب مرحلة جديدة من تدبير ملفه الوطني، مرحلة لا تنفصل فيها الدبلوماسية عن الأمن، ولا السيادة عن التنمية، ولا الحزم عن السلام. قد تتغير البعثات، وقد تتعثر أروقة مجلس الأمن، وقد تتبدل الوجوه في المؤسسات الدولية، لكن الدولة التي تعرف وجهتها لا تجعل من تغير الأدوات تغيرا في البوصلة. وفي هذا تحديدا تكمن دلالة اللحظة المغربية: أن يتحول انتهاء المينورسو من مصدر للقلق إلى مناسبة لترسيخ الاستعداد الوطني، وأن يصبح الفراغ الأممي حافزا على مزيد من اليقظة والمبادرة، لا منفذا للفوضى أو المغامرة. فالتاريخ لا يمنح الدول مكانتها بمجرد ما تكسبه في لحظات التوتر، بل بما تستطيع بناءه بعد انحسار الفوضى. والمغرب، وهو يعيد ترتيب أوراقه في هذا المنعطف، يبعث برسالة واضحة: الصحراء ليست ملفا ينتظر نهاية جلسة في مجلس الأمن، بل قضية وطنية تتطلب رؤية دولة، ونفسا استراتيجيا، وقدرة على صناعة المستقبل.

2 thoughts on “الصحراء المغربية بعد المينورسو… الملك محمد السادس يضع واشنطن أمام امتحان التاريخ”

  1. المغرب في صحراءه، والصحراء في مغربها. طوي ملف المينورسو، سيطوى الملف برمته، بإرادة الدولة المغربية، بالحرص الحازم على سيادة الوطن بالصرامة اللازمة، في وجه المغرضين. بالالتزام على وقف إطلاق النار.

  2. يشكل تبني المملكة المغربية لنهج الحوار والتواصل الدبلوماسي في تدبير علاقاتها الدولية خياراً استراتيجياً يعكس تشبثها بثقافة السلم واحترام قواعد القانون الدولي.

    كما أن اعتماد لغة الاعتدال وضبط النفس لا يعني بالنسبة للمغرب التخلي عن الثوابت الوطنية أو المساس بالمصالح العليا للمملكة، بل يعكس القدرة على الجمع بين الثبات في المواقف والمرونة في الوسائل الدبلوماسية.

    ويتجلى هذا التوجه بشكل واضح في المرجعية الدستورية للمملكة، إذ ينص تصدير دستور 2011 على التزام المغرب بالمساهمة في صيانة السلم والأمن على المستوى العالمي .
    فالمغرب يؤمن بأن قوة الدبلوماسية لا تكمن في رفع منسوب التوتر، وإنما في القدرة على احتوائه؛ ولا تقاس بحدة الخطاب، بل بفاعلية الحوار ونجاعة المبادرات السياسية. ومن ثم، فإن اختياره الابتعاد عن التصعيد بعد انتهاء مهام البعثة الأممية المينورسو هو تجسيد لدبلوماسية مسؤولة، تجمع بين وضوح الموقف وثبات المبادئ، وبين الحكمة في التدبير والانفتاح على الحلول الإيجابية ……

    الدكتورة ماجدة كريمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *