بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة أشياء صغيرة تدخل البيت من دون استئذان، ثم لا تلبث أن تتحول، في ذاكرة الأطفال، إلى قوانين سرية للحياة. كأس على طرف المائدة، زجاجة تفتح في مساء عابر، ضحكة تسبقها جرعة، وعبارة تقال باستخفاف: «مجرد كأس». ويظن الكبار أن الطفل منشغل بهاتفه، أو بلعبته، أو بحكاية لا علاقة لها بما يجري حوله. لكن الطفل، في تلك السن التي تكون فيها العين كاميرا والذاكرة خزينة لا تعرف النسيان، يرى أكثر مما نظن، ويسجل أكثر مما نتصور. فالطفل لا يتعلم الخمر من الكأس وحدها، بل يتعلم المعنى الذي يمنحه الكبار للكأس. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. ليست المسألة في أن أبا شرب كأسا أمام ابنه، ولا في أن أما احتست النبيذ في مناسبة عائلية. المسألة أعمق من ذلك، وأشد مكرًا. المسألة هي الرسالة الصامتة التي تنبعث من السلوك اليومي: ماذا يقول الأبناء عن العلاقة بين اللذة والانضباط؟ بين التعب والهروب؟ بين الحزن والنسيان؟ بين الاحتفال والحاجة إلى مادة خارجية كي يصبح الفرح قابلا للفرح؟ فالطفل لا يقرأ الزجاجة. إنه يقرأ الوجه الذي خلفها. وقد يكون هذا الوجه، من حيث لا يدري، أول كتاب فلسفة يقرأه الطفل في حياته.
تشير الدراسات الحديثة إلى أن سلوك الوالدين تجاه الكحول يمكن أن يؤثر في تصور الأبناء لما يعتبرونه استهلاكا «طبيعيا»، وتكتسب هذه الصورة أهمية خاصة خلال مرحلة المراهقة، ولا سيما بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة، حين يبدأ الشاب في إعادة تركيب العالم داخل رأسه، ويشرع في بناء مفهومه عن الاستقلال والقبول والنضج وما يسمى الحياة الاجتماعية. وهنا تظهر التربية في صورتها الأكثر قسوة وصدقا: ليست ما نقوله لأبنائنا، وإنما ما نكرره أمامهم حتى يصبح تكرارنا عقيدة من دون أن نسميها عقيدة. قد يقول الأب لابنه: «لا تشرب». لكن الإبن يراه يشرب كلما عاد متعبا. وقد يقول له: «الكحول ليس شيئا مهما». لكن الكأس لا تغيب عن أعياد الأسرة ومناسباتها. وقد يقول: «تعلم الاعتدال». بينما لا يستطيع هو نفسه أن يتخيل عطلة نهاية الأسبوع من دون زجاجة. في تلك اللحظة يصبح الكلام أضعف من الصورة، وتصبح الموعظة عاجزة أمام طقس يتكرر كل أسبوع. فالطفل لا يصدق دائما ما نقوله له. لكنه يصدق، في الغالب، ما يرانا نفعله.

وليس غريبا أن تكون الخمر قد شغلت في تراثنا العربي مساحة واسعة من الأدب، وأنها دخلت القصيدة والمقامة والحكاية ومجالس الشعراء، حتى كادت تتحول أحيانا من شراب إلى شخصية أدبية كاملة، لها لونها ورائحتها ومجلسها وطقوسها. وقد منح أبو نواس هذا العالم حضورا شعريا استثنائيا، فصارت الخمرة في شعره أكثر من مادة، وصارت جزءا من لعبة الشعر بين المجاهرة والمفارقة والتمرد. لكن الأدب ليس دائما دعوة إلى تقليد ما يصفه. الشاعر قد يكتب عن الخمر كما يكتب عن الحرب والموت والحب والغيرة. وقد يكون في وصفه للذة كشف لضعف الإنسان، لا دعوة إلى الضعف. وهنا تكمن عظمة الأدب: إنه لا يقدم الإنسان دائما في ثوب القديس، بل يترك نافذة مفتوحة على هشاشته، على رغباته، على غروره، وعلى ذلك الكائن الصغير المختبئ في داخله والذي يستطيع أحيانا أن يقوده أكثر مما يقوده العقل. الشاعر يكتب على الورق. أما الأب فيكتب داخل ذاكرة ابنه. وهذه هي المسافة التي ينبغي أن نخاف منها. فالكأس التي تظهر في القصيدة قد تكون استعارة. أما الكأس التي تظهر كل ليلة على مائدة الطفل فقد تتحول إلى قاعدة. قد تصبح الخمر عند الابن مرتبطة بالفرح إذا كان الأب لا يحتفل إلا معها. وقد تصبح مرتبطة بالراحة إذا كان الأب لا يسترخي إلا بعدها. وقد تصبح مرتبطة بالنضج إذا جعل الكبار منها طقسا للدخول إلى عالم الراشدين. وهكذا لا تنتقل المادة وحدها. ينتقل تعريف الحياة.
وأخطر ما يمكن أن يتعلمه الطفل ليس أن الكحول جيد أو سيئ، بل فكرة أكثر خفاء، وأكثر خطرا: «لا تستطيع أن تعيش بعض مشاعرك من دونه». إذا كان الأب يشرب حين يكون سعيدا، ويشرب حين يكون حزينا، ويشرب حين يكون متعبا، ويشرب حين يريد الاحتفال، ويشرب حين يريد نسيان مشكلاته، فقد يتعلم الطفل من دون درس واحد أن لكل حالة إنسانية بابا واحدا، وأن مفتاح ذلك الباب في قاع الكأس. وهنا يصبح الكحول لغة. لغة للفرح. لغة للحزن. لغة للغضب. لغة للهروب. وحين تصبح المادة لغة، تصبح مقاومتها أصعب، لأن الإنسان لا يعود يتعامل معها باعتبارها شيئا، بل باعتبارها معنى. ومن هنا تظهر إحدى أكثر مفارقات عصرنا سخرية. لقد أصبح شرب الكحول في بعض البيئات الحديثة يقدم باعتباره علامة على الانفتاح والتحضر. كأن الإنسان لا يصبح عصريا إلا إذا أمسك بكأس، وكأن الامتناع عن الشرب نوع من التخلف، وكأن القدرة على طلب زجاجة غالية في مطعم أنيق شهادة دكتوراه في الرقي. لكن أي تحضر هذا الذي يحتاج فيه الإنسان إلى مادة كي يحتفل؟ وأي حرية تلك التي تبدأ بعبارة: «أنا حر، ولذلك سأشرب»، ثم تنتهي بعد سنوات بعبارة أكثر حزنا: «لا أستطيع أن أتوقف»؟
التحضر الحقيقي ليس في عدد الزجاجات التي تستطيع شراءها، بل في عدد الأشياء التي تستطيع الاستمتاع بها من دونها. وهنا، على نحو يبدو غريبا لأول وهلة، تظن أنك انتصرت برفع الكأس، فإذا بالكأس تعلن انتصارها بعد لحظات فوق حافة الوقت. وهكذا تبدأ بعض العادات. كأس صغيرة. ثم كأس أخرى. ثم مناسبة. ثم عادة. ثم طقس. ثم حاجة. في البداية يبدو الأمر عابرا. وفي النهاية تكتشف أنها طليعة جيوش من المعاناة. حتى المخيال القديم، العربي واليوناني، عرف تلك الحكمة الغريبة: أن الأشياء الصغيرة تستطيع أحيانا أن تضع الكائن الكبير أمام حدود قوته. فالإنسان الذي يظن أنه سيد العالم قد يعجز عن طرد عادة، وقد يكتشف أن السيطرة على الكون أسهل من السيطرة على نزوة صغيرة. وهنا تصبح اخمر استعارة مذهلة للعادات التي تدخل حياتنا من باب النشوة، ثم تستقر فيها من باب الضرورة.
نحن لا نورّث أبناءنا الأشياء وحدها. نورثهم معاني الأشياء. قد يرث الإبن ساعة أبيه، أو كتابه، أو منزله، لكن الوراثة الأخطر ليست مادية. قد يرث معنى الرجولة، ومعنى القوة، ومعنى الاحتفال، ومعنى الحزن، ومعنى الهزيمة. فإذا رأى الأب يواجه مشكلاته بالكحول، فقد يتعلم أن الرجل الحقيقي هو الذي يخفي ألمه في كأس. وإذا رأى الأم تفعل الشيء نفسه، فقد يتعلم أن الضغط النفسي يحتاج إلى مخدر اجتماعي مقبول. وعندها لا تعود القضية قضية كحول. تصبح قضية فلسفة عائلية. المراهقة، في هذا السياق، ليست مجرد مرحلة عمرية. إنها ورشة هائلة لصناعة الهوية. في الخامسة عشرة والسادسة عشرة والسابعة عشرة لا يكون الشاب قد غادر طفولته تماما، ولا يكون قد دخل عالم الكبار بكامل وعيه. إنه يقف على جسر ضيق بين عالمين، وتأتيه من كل جهة صور تقول له: هكذا يعيش الكبار، هكذا يحتفلون، هكذا ينسون، هكذا يتجاوزون الحزن. وحين يجد الكحول جزءا متكررا من حياة الراشدين، فقد لا يراه خطرا في البداية، بل شارة عبور إلى عالم النضج. وهنا تصبح التربية الأسرية أمام معركة لا تستطيع كلمة «ممنوع» وحدها أن تربحها.
فالمنع بلا تفسير يترك في ذهن المراهق فراغا. والفراغ لا يبقى فارغا. يمتلئ بأصدقاء، أو مقاطع، أو إعلانات، أو حكايات، أو أوهام عن الرجولة والحرية والانفتاح. لذلك لا يكفي أن يتحول الأب إلى شرطي داخل البيت. «لا تشرب». «ممنوع». «انتهى الكلام». فالإبن الذي لا يجد جوابا في البيت سيبحث عن جواب في مكان آخر. الحوار ليس ترويجا. الحوار تحصين. أن نتحدث عن الإدمان، وعن ضغط الأصدقاء، وعن فقدان السيطرة، وعن العلاقة بين القلق والشرب، وعن الإنسان الذي يشرب كي ينسى ثم يكتشف ذات يوم أنه لم يعد يعرف كيف ينسى من دون أن يشرب. هذه ليست دروسا في الكحول. هذه دروس في الحرية. فالحرية الحقيقية ليست أن تستطيع أن تشرب. الحرية أن تستطيع ألا تشرب. والأب الذي يريد أن يعلم ابنه الاعتدال عليه أن يبدأ بسؤال نفسه قبل أن يسأل ابنه. هل أستطيع أن أعيش أياما من دون كحول؟ هل أستطيع أن أحتفل من دونه؟ هل أستطيع أن أحزن من دونه؟ هل أستطيع أن أتحمل مساء هادئا دون أن أشعر أن شيئا ناقصا؟ هل أشرب لأنني أريد؟ أم لأنني لم أعد أعرف كيف أستريح من دون أن أشرب؟ وهل يلاحظ ابني ذلك؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن تكون محكمة للأب، بل مرآة له. لأن التربية الحقيقية تبدأ من اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام نفسه، لا أمام ابنه. والكأس، في النهاية، مرآة أكثر مما هي كأس. إنها شفافة، لكن شفافيتها خادعة. قد تكشف وحدة. وقد تكشف خوفا. وقد تكشف مللا. وقد تكشف عجزا عن مواجهة الذات. وقد تكشف علاقة الإنسان بالسيطرة. فالسؤال ليس دائما: «كم شربت؟» السؤال الأشد قسوة هو: «لماذا احتجت إلى الشرب؟» لا يحتاج الطفل إلى أب بلا أخطاء. لا يحتاج إلى قديس يجلس على رأس المائدة ويعطيه درسا في الفضيلة. يحتاج إلى إنسان. إنسان يعرف أنه قد يخطئ، لكنه يستطيع أن يعترف. وقد تكون كلمة «كنت مخطئا» من أعظم الدروس التي يمكن أن يسمعها الإبن. أن يقول الأب: «ربما لم أقدم لك النموذج الذي أريده». أن يقول: «أحاول أن أغير بعض عاداتي». هذه الكلمات قد تكون أقوى من عشرات الخطب. لأن الإبن يتعلم عندها شيئا أعظم من الاعتدال. يتعلم أن الإنسان يستطيع أن يستعيد حريته من عاداته. وهذه، في حد ذاتها، صورة من صور البطولة. ما نريده في النهاية ليس بيتا يخلو من كل مظاهر الحياة، بل بيتا لا تجعل فيه الكأس نفسها مركز الحياة. نريد للطفل أن يرى الفرح وهو يمشي على قدميه من دون عكاز. أن يرى الناس يضحكون من دون أن يحتاجوا إلى زجاجة كي يضحكوا. أن يرى الحزن محتملًا. أن يرى التعب يعالج بالنوم والراحة والكلام والصداقة. أن يعرف أن الإنسان يستطيع أن يواجه مساءه وهو بكامل وعيه، وأن يبقى الفرح فرحا حتى من دون أن يضيف إليه شيئا.
فالطفل يحتاج قبل كل شيء إلى أن يرى الكبار وهم يمتلكون أنفسهم. وربما تكون هذه هي الصورة الأرقى للتحضر: ألا تحتاج إلى شيء كي تثبت أنك حر. سيكبر الأبناء. سيغادرون البيت. ستبقى لهم صور قليلة من طفولتهم: مطبخ، طاولة، صوت الأب، رائحة القهوة، ضحكة الأم، نافذة مفتوحة، وربما كأس على طرف المائدة. قد لا يتذكرون ما قيل في تلك الأمسية. لكنهم سيتذكرون، بطريقة غامضة، ما كانت الكأس تعنيه. هل كانت شيئا عابرا؟ أم كانت مركز الفرح؟ هل كان الأب يشرب لأنه يستمتع؟ أم لأنه لم يعد يعرف كيف يعيش اللحظة من دونها؟ وهنا يتجاوز السؤال الخمر. يتحول إلى سؤال عن الإنسان نفسه. أي إنسان نريد أن نتركه داخل أبنائنا عندما نغادر حياتهم اليومية؟ فالطفل لا يرث زجاجة. ولا يرث كأسها. ولا يرث حتى طعمها. إنه يرث القصة التي رواها الكبار عنها. وقد تكون أعظم تربية يقدمها الأب لابنه ألا يقول له فقط: «لا تشرب»، بل أن يريه، في تفاصيل الحياة اليومية، أن الفرح يمكن أن يكون صافيا، وأن الحزن يمكن احتماله، وأن التعب يمكن أن يعالج بالراحة، وأن الوحدة يمكن أن تعالج بالكلام، وأن الإنسان يستطيع أن يخرج من عتمته من دون أن يستعين بزجاجة. فالذي يضع الكأس جانبا في اللحظة المناسبة لا يتخلى عن حريته. ربما يكون، للمرة الأولى، قد مارسها.
📲 Partager sur WhatsApp
كم من أسرة، أعرف اصحابها، تهشمت أركانها بفعل تغلغل الخمر في شريانات رب الأسرة. وهو واقع مأساوي، لما يمسي الكأس قيمة القيم.
وكم من أبن لم يدق أبوه كأسا في حياته، ومع ذلك أدمن هذه الآ فة، وتلك هي المفارقة.