التوغو…تحول الكاميرا إلى رهينة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك دول تخشى الرصاص، ودول تخشى الانقلاب، ودول تخشى السؤال. لكنّ الدولة التي تخاف من الكاميرا تخشى شيئا أعمق: أن ترى نفسها كما يراها الآخرون. في التوغو، لم تعد المسألة مجرد توقيف اثنين من صناع الأفلام الفرنسيين، غايل مويكير وسيباستيان بيريز بيزاني، ومساعدهما التوغولي فريد فيدومي. الثلاثة محتجزون منذ 27 يوليو، ووضعوا في الحبس الاحتياطي في 17 أغسطس على خلفية تهمة تتعلق ب”تصريحات كاذبة”، بينما كانت منظمة مراسلون بلا حدود تطالب بالإفراج الفوري عنهم، معتبرة الإجراءات بحقهم غير مبررة وغير متناسبة. القضية، في ظاهرها، قضائية. لكن في جوهرها سؤال سياسي قديم قدم السلطة نفسها: ماذا تفعل الدولة عندما تشعر أن عيون الآخرين أصبحت أقوى من روايتها؟

هنا تبدأ الحكاية الحقيقية. الرهائن ليسوا اختراعا من اختراعات القرن العشرين. في التاريخ القديم، كان الرهن البشري لغة من لغات السياسة. كان الأمير يرسل ابنه إلى خصمه ضمانا للمعاهدة، وتضع القبيلة رجلا من رجالها في يد القبيلة الأخرى حتى لا تنقض العهد، ويصبح جسد الإنسان ورقة مختومة بختم الخوف. كان الرهينة في السياسة القديمة نوعا من التوقيع الحي. لم تكن الدولة تقول: “أنا أثق بك”. كانت تقول: “أنا لا أثق بك، ولذلك أضع إنسانا بين يديك.” ثم تغير الزمن. تغيرت القوانين. تغيرت اللغة. اختفت الخيول من أبواب المدن، وحل محلها المحامون، والسجون، والملفات القضائية. لكن الفكرة لم تمت تماما. فقد تغير شكل الرهينة، بينما بقي جوهرها القديم مختبئا في بعض زوايا السياسة. لم يعد الرهينة دائما أميرا. قد يكون صحفيا. مخرجا. باحثا. مترجما. أو مواطنا عاديا وجد نفسه فجأة داخل لعبة أكبر من اسمه.

وهنا يصبح السؤال المرعب: هل يمكن للإنسان أن يتحول إلى ورقة تفاوض من دون أن تعلن الدولة ذلك صراحة؟ المفارقة العجيبة أن صانعي الأفلام لم يأتوا إلى التوغو بالسلاح. جاؤوا بالكاميرا. والكاميرا في بعض البلدان أخطر من السلاح السلاح يضرب جسدا. أما الكاميرا فقد تضرب الرواية. وهذا هو الفارق. الدولة تستطيع أن تغلق طريقا. لكنها لا تستطيع بسهولة أن تغلق صورة بعد أن تولد. تستطيع أن تمنع صحفيا من الاقترا . لكن الصورة التي التقطها قبل المنع قد تكون بدأت رحلة لا تعرف الحدود. الصورة لا تحتاج إلى جواز سفر. ولا تحتاج إلى تأشيرة. ولا تقف في طابور المطار. قد تدخل غرفة في باريس، ومقهى في بروكسل، ومكتبا في نيويورك، وهاتفا في قرية بعيدة، في اللحظة نفسها. ولذلك تخاف السلطة من الكاميرا حين تشعر أن الصورة قد تنافسها على تعريف الحقيقة.

في الأزمنة القديمة، كان احتجاز شخص يعني احتجاز جسده. في عصر الإعلام، قد يعني احتجاز الصحفي محاولة للسيطرة على ما كان يمكن أن يراه، وما كان يمكن أن ينقله، وما كان يمكن أن يصبح جزءا من ذاكرة العالم. لكن المفارقة الكبرى هي أن اعتقال الصحفي قد ينتج أحيانا عكس ما أراد المعتقلون. كان يمكن للفيلم أن يعرض حياة عادية في التوغو. فجأة، صار العالم يتحدث عن الاعتقال نفسه. وهكذا يصبح السجن، من حيث لا يريد، غرفة بث. وتتحول القضبان إلى عنوان. وتصبح التهمة نفسها خبرا. وكلما طال الاحتجاز، كبر السؤال. لماذا؟ وهذا السؤال قد يكون أحيانا أكثر إزعاجا للسلطة من الكاميرا نفسها. في التراث العربي القديم، كان الرهينة يظهر في سياقات الحرب والعهد والوفاء. كان الإنسان يوضع أحيانا ضمانا لكلمة. وهذا يكشف شيئا عميقا في تاريخ السياسة العربية: عندما تضع السلطة جسد إنسان في موضع الضمان، فهي تعلن في الوقت نفسه أن الثقة قد انهارت.

لكن العالم الحديث يفترض شيئا مختلفا. الدولة الحديثة لا تحتاج إلى رهائن كي تضمن التزامها. لديها القضاء. لديها القوانين. لديها المؤسسات. لديها حق التحقيق والمحاكمة. وهذا هو الفارق الحضاري الكبير. لذلك فإن السؤال في قضية التوغو لا ينبغي أن يكون: هل يحق للدولة أن تحقق مع شخص؟ بالطبع يحق لها ذلك، وفق قانونها وإجراءاتها. السؤال الأعمق هو: هل تستعمل الدولة القانون بوصفه طريقا إلى الحقيقة، أم بوصفه جدارا يمنع الحقيقة من الوصول؟ الفارق بين الإثنين هو الفارق بين دولة القانون وقانون الدولة. التهمة المعلنة في هذه القضية هي “تصريحات كاذبة”. لكن أي نظام قانوني جاد يعرف أن الكلمات لا ينبغي أن تتحول إلى شباك تصطاد الناس بلا حدود. ما هي التصريحات؟ أين قيلت؟ ما طبيعتها؟ ما الأدلة؟ ما الضرر الذي نتج عنها؟ هل يتعلق الأمر بمخالفة إدارية؟ أم بمسألة أمنية؟ أم بنشاط صحفي؟

هذه الأسئلة ليست ترفا قانونيا. إنها جوهر القضية. فكلما اتسعت العبارة القانونية، ازدادت الحاجة إلى الدقة القضائية. لأن القانون حين يكون غامضا جدا يصبح مثل شبكة صيد ضخمة: قد تصطاد السمك. لكنها قد تصطاد الطائر أيضا. والتوغو ليست جزيرة خارج التاريخ. وما يزيد القضية حساسية هو السياق الجيوسياسي. التوقيف يأتي في وقت تشهد فيه العلاقات بين فرنسا ولومي توترا، وفي ظل بيئة إعلامية وسياسية متوترة في المنطقة. كما أن منطقة شمال التوغو التي كان يعمل فيها الفريق تقع في منطقة أمنية حساسة بسبب تهديدات الجماعات الجهادية، فيما تتحدث تقارير عن توتر متزايد بين لومي وباريس وعن تقارب توغولي مع موسكو. وهنا تصبح الكاميرا جزءا من الجغرافيا السياسية. المخرج الذي يصور طريقا في منطقة نائية لا يصور طريقا فقط. قد يصور الدولة كما هي. وقد يصور الفقر. وقد يصور الجيش. وقد يصور الحدود. وقد يصور الخوف. وقد يلتقط، من دون قصد، ما لا تريد السلطة أن يدخل في الصورة. وهذا هو السبب الذي يجعل العمل الصحفي في مناطق التوتر أكثر حساسية من أي وقت مضى. هل نحن أمام رهائن سياسيين؟

من المبكر إطلاق هذا الوصف كحقيقة ثابتة. ولا يجوز تحويل الشك إلى حكم. لكن من المشروع طرح السؤال. فالرهينة السياسية ليست فقط من يعلن خاطفوه أنهم يحتجزونه للحصول على فدية. هناك شكل أكثر نعومة، وأشد تعقيدا: أن يصبح احتجاز فرد مرتبطا برسالة موجهة إلى دولة أخرى. أو إلى صحافة أخرى. أو إلى مجتمع دولي. أو إلى خصم سياسي. وفي هذه الحالة، لا يكون الإنسان هو الهدف الوحيد. بل يكون أيضا لغة الرسالة. وهنا تصبح الدولة أمام اختبار أخلاقي وقانوني كبير:وهل يحتفظ السجين بإنسانيته الكاملة، أم يتحول في لحظة ما إلى قطعة في لعبة بين عواصم؟ في الروايات القديمة، كان الرهينة واضحا. كان يعرف أنه رهينة. وكان الآخرون يعرفون ذلك. أما الرهينة الحديث فقد يدخل السجن تحت اسم قانوني مختلف: موقوف. متهم. مشتبه فيه. قيد التحقيق. ثم تستمر القضية. ثم يتسع الصمت. ثم تبدأ العائلة في العد. يوم. أسبوع. شهر.

وفي الخارج، تتحول حياة الإنسان إلى ملف دبلوماسي. وهنا تصبح الحرية نفسها لغة تفاوض. وهذا من أكثر الأشياء قسوة في عالم السياسة: أن يتحول الزمن الذي يمر على السجين إلى ورقة في يد الدولة. الصحفي ليس سفيرا، لكنه يحمل شيئا من وظيفة السفير. الصحفي لا يمثل دولة رسميا. لكنه يحمل صورة بلد إلى العالم. وقد يدخل إلى الأماكن التي لا يدخلها السياسي. يسأل من لا يستطيع الوصول إليه الوزير. يرى ما لا يظهر في البيان الرسمي. الدولة القوية ليست تلك التي تمنع الكاميرا. الدولة القوية هي التي تستطيع أن تقف أمامها. لا توجد دولة بلا عيوب. ولا مجتمع بلا مناطق مظلمة. ولا حكومة بلا أخطاء. لكن الفرق بين الدولة الواثقة والدولة المرتابة هو طريقة التعامل مع الضوء. الدولة الواثقة تقول: صوروا. اسألوا. حققوا. ثم نحاسبكم إذا خالفتم القانون. أما الدولة المرتابة فتتصرف كأن العدسة نفسها مؤامرة. وهنا تصبح الكاميرا عدوا قبل أن تلتقط الصورة. قد تستطيع السلطة أن تصادر معدات. وقد توقف المخرج. وقد تمنع التصوير. لكن هناك شيئا لا يمكن مصادرته بسهولة:الفضول البشري. كلما قالت السلطة “لا تنظروا”، سأل الناس: لماذا؟ كلما قالت “لا تسألوا”، جاء السؤال: لماذا؟

وكلما أصبح الصمت أكثر سمكا، بدأت المخيلة تحفر فيه نفقا. وهذا ما يجعل السيطرة الكاملة على الرواية مستحيلة في عصر الشبكات. الصورة قد تتأخر. لكنها لا تموت بسهولة. قد تكون لدى السلطات التوغولية أسباب أمنية حقيقية. وقد تكون هناك قواعد خاصة بالتصوير في منطقة حساسة. وقد تكون هناك مخالفات إجرائية. والدولة، مثل أي دولة، لها حق حماية أمنها والتحقيق في أي شبهة. لكن حتى عندما تكون الدولة على حق، لا تصبح فوق القانون. بل العكس تماما. الدولة التي تملك حجة قوية لا تحتاج إلى حجة غامضة. وإذا كانت المخالفة واضحة، فليكن القانون واضحا. وإذا كانت الأدلة موجودة، فلتعرض أمام القضاء. وإذا كانت التهمة صحيحة، فلتكن المحاكمة عادلة وشفافة. أما حين يطول الغموض، فإن الشبهة لا تعود تطارد المتهم وحده. تبدأ في مطاردة الدولة أيضا.

من أخطر الأفكار السياسية أن نتعامل مع حرية الصحافة باعتبارها منحة. الحرية ليست هدية. هي حق. والدولة لا تمنحها كما يمنح الملك قطعة نقدية لشاعر. الدولة الحديثة تضمنها. وحين تحمي حرية الصحافة، فهي لا تحمي الصحفي فقط. تحمي حق المجتمع في معرفة نفسه. وهذا هو المعنى الأعمق للقضية. المخرج الذي يصور الفقر لا يسرق الفقر. والصحفي الذي يصور الخوف لا يصنع الخوف. والكاميرا لا تخلق الأزمة. هي فقط تفتح النافذة عليها. وقد يكون غايل وسيباستيان وفريد هم المحتجزين فعلا. لكن في قضايا من هذا النوع، هناك رهينة رابع لا نراه: الحقيقة نفسها. إذا بقيت الحقيقة حرة، يمكن للدولة أن تثبت براءتها. إذا اختنقت الحقيقة، يصبح الجميع رهائن. الصحفي. المواطن. الحكومة. وحتى سمعة البلد. فالبلد الذي يعتقل الكاميرا قد يكتشف بعد سنوات أن الكاميرا لم تكن عدوه. كانت جرس الإنذار. كانت تقول له: هناك شيء ينبغي أن تراه. هناك شيء ينبغي أن تشرحه. هناك شيء ينبغي أن تصلحه. ولذلك فإن الإفراج عن المحتجزين، إذا لم توجد ضرورة قانونية واضحة لاستمرار احتجازهم، ليس مجرد تنازل سياسي. إنه رسالة ثقة. والدولة التي تثق بنفسها لا تحتاج إلى جعل السجن مترجما لسياستها.

ويبقى المشهد غريبا، كأنه خرج من أسطورة سياسية حديثة: ثلاثة رجال دخلوا بلدا يحملون كاميرا. فوجدوا أنفسهم داخل قصة عن الدولة والحدود والخوف والسيادة. لم تكن الكاميرا بندقية. ولم يكن المخرج جنديا. ولم يكن السؤال قذيفة. لكن الصورة، في بعض الأزمنة، تملك قدرة عجيبة على إزعاج الرواية الرسمية، لا لأنها تكذب بالضرورة، بل لأنها تمنح العالم فرصة أخرى للنظر. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الدولة قد تستطيع أن تحبس الرجل، لكنها لا تستطيع بسهولة أن تحبس السؤال الذي ولد من اعتقاله. قد تغلق الباب أمام الكاميرا، لكن العالم سيظل واقفا خلف الباب يسأل: ماذا كان يمكن أن نرى لو بقي الباب مفتوحا؟ وربما كانت هذه هي المفارقة الأكثر قسوة في السياسة الحديثة: حين تخاف الدولة من الصورة، قد تصبح الصورة نفسها هي التي تكتب تاريخ خوفها، ذات صباح، في الصورة.


📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *