قوارب الذباب بباريس…وهم يبحر في نهر الزمن

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة أسماء لا تأتي من اللغة بقدر ما تأتي من دهاء التاريخ، وأشياء لا تحمل في تسميتها صورتها، بل تخفي وراءها حكاية أكثر غرابة من الشيء نفسه. و«الباتوموش» (Bateau-mouche)، ذلك القارب الذي يشق مياه السين في باريس، حاملا السياح بين المرايا المائية والواجهات الحجرية، يبدو للوهلة الأولى كأنه استعارة ساخرة: ما علاقة الذبابة بقارب، وما الذي يمكن أن يجمع حشرة صغيرة بسفينة تتهادى فوق نهر عظيم؟

لكن التاريخ، حين يقرر أن يكون ساحرا، لا يستأذن المنطق. تعود الحكاية إلى ليون، لا إلى باريس. ففي القرن التاسع عشر، كانت منطقة «لا موش» (La Mouche)، الواقعة في محيط ليون، تحتضن منشآت لصناعة السفن والقوارب. ومن تلك المنطقة خرجت قوارب حملت اسم موطنها الجغرافي، لا إسم حشرة طائرة. هكذا انتقلت كلمة «موش» من المكان إلى الماء، ومن الجغرافيا إلى الذاكرة، لتصبح اسما لقوارب ستجد لاحقا مسرحها الأكثر شهرة في العاصمة الفرنسية.

ثم جاءت باريس، وجاء معها فصل آخر من الحكاية. ففي خمسينيات القرن العشرين، أعاد رجل الأعمال جان برويل إحياء هذا النوع من الرحلات النهرية، وأطلق مشروعه الذي جعل من الإبحار في السين مشهدا سياحيا وأيقونة من أيقونات المدينة. ولأن الإنسان لا يكتفي غالبا بالحقيقة حين تكون أقل إبهارا من الخيال، نسج برويل حكاية طريفة حول شخصية متخيلة سماها «جان سيباستيان موش»، ونسب إليها ابتكار هذه القوارب. كان ذلك اختراعا تسويقيا ذكيا، منح الإسم وجها بشريا، وحول التسمية الجغرافية إلى أسطورة لها مخترع وسيرة وحضور. فما الذي يجعل الإنسان يخترع أصلا لمجرد تسمية؟ ولماذا نحتاج أحيانا إلى أب أسطوري للأشياء، حتى نطمئن إلى وجودها؟

لعلنا لا نبحث عن الحقيقة وحدها، بل عن الحكاية التي تجعل الحقيقة قابلة للتداول، وعن الخيال الذي يمنح الأشياء عمرا يتجاوز عمر صانعيها. إن «الباتوموش» ليس مجرد وسيلة للنزهة فوق السين؛ إنه درس صغير في فلسفة الأسماء. فالاسم لا يصف دائما ماهية الشيء، بل قد يحمل ذاكرة مكان، أو خطأ تاريخيا، أو مناورة تجارية، أو مصادفة تحولت إلى قدر لغوي. نحن لا نرى العالم كما هو فقط، بل نراه أيضا من خلال الكلمات التي ورثناها عنه. وقد تكون الكلمة أحيانا أكثر قدرة على تضليلنا من الصورة، لأنها تمنح الوهم هيئة الحقيقة. والأكثر إدهاشا أن باريس، المدينة التي تتقن تحويل الحجر إلى ذاكرة، والماء إلى مسرح، لم تكتف باحتضان هذه القوارب، بل جعلت منها جزءا من صورتها العالمية. صار السائح يركب قاربا لا يعرف أن اسمه جاء من حي صناعي في ليون، وربما لا يعرف أن مخترعه الأسطوري لم يوجد قط. ومع ذلك، لا ينقص القارب شيء من سحره؛ بل لعل الحكاية الوهمية أضافت إليه طبقة أخرى من الجمال.

هكذا تتحول المدينة إلى نص مفتوح، ويصبح النهر أرشيفا متحركا، فيما تمضي القوارب فوق الماء كأنها علامات استفهام عائمة. تحت الجسور، تعبر الوجوه وتنعكس الأبنية، ويظل الاسم معلقا بين حشرة لم تكن مقصودة، ومكان كان حقيقيا، ورجل خيالي صنعته براعة الإعلان. إن المفارقة الأعمق ليست في أن قاربا يحمل اسم ذبابة، بل في أن الإنسان يستطيع أن يصنع من المصادفة هوية، ومن الحيلة ذاكرة، ومن الاسم حكاية تعيش أطول من أصحابها. وربما لهذا لا تكون الأسماء بريئة تماما؛ إنها كائنات مهاجرة، تسافر من مكان إلى آخر، وتغير جلودها ومعانيها، بينما نظن نحن أننا نستخدمها فحسب. لا تبحر قوارب «الباتوموش» فوق السين وحده؛ إنها تبحر فوق طبقات من التاريخ واللغة والخيال. أما الذبابة التي لا وجود لها في المشهد، فقد انتصرت بطريقة عجيبة: صارت جزءا من ذاكرة باريس، من دون أن ترفرف بجناح واحد فوق مياهها. فبعض الأساطير لا تحتاج إلى أبطال حقيقيين كي تعيش؛ يكفيها اسم غريب، ونهر عظيم، وإنسان يعرف كيف يبيع للحقيقة ثوبا من الخيال.

One thought on “قوارب الذباب بباريس…وهم يبحر في نهر الزمن”

  1. حفر في ذاكرة إسم، من أجل الإصغاء إلى حفيف الأشياء التي منفتح عليها فيما هي توميء إلسنا بالذاكرة والتاريخ وصوت الأمكنة وملامسات الأيدي….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *