حين سرقوا أربعة عشر قردا من حديقة الحيوان، انكشف الوجه القردي للعالم

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليست الجريمة دائما بابا مكسورا، ولا خزنة فارغة، ولا صرخة تشق عتمة الليل. أحيانا تكون أربعة عشر جسدا صغيرا اختفت من مكان كان يفترض أن يحميها، فتترك وراءها فراغا لا تقيسه الأقفاص وحدها، بل تقيسه المسافة الشاسعة بين الحضارة التي يتباهى بها الإنسان والوحش الذي لا يزال يديره من الداخل. في ليسكار، بالقرب من مدينة باو، في إقليم البرينيه الأطلسية جنوب غربي فرنسا، اختفى أربعة عشر قردا من حديقة حيوان صغيرة: تسعة من قردة المارموسيت، وخمسة من قرود التامارين. نقلا عن وكالة الصحافة الفرنسية، فتحت السلطات تحقيقا في الحادثة، وسط شبهات بأن الحيوانات قد تكون سرقت لتغذية السوق السوداء. وبين هذه القرود الخمسة من التامارين أنواع مهددة بشدة بالانقراض، بحسب ما أورده التقرير عن الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.

لكن ما حدث ليس مجرد عملية سرقة تستحق محضر شرطة. إنه مشهد من حكاية سوداء، تتبدل فيها الأدوار على نحو عبثي: حيوانات انتشلت من أقفاص قذرة وشبكات اتجار غير مشروع، ثم وجدت نفسها مرة أخرى في قلب المصير الذي ظنت أنها نجت منه. وكأن العالم آلة دائرية تطحن ضحاياها، ثم تعيدهم إلى النقطة التي بدأ منها الألم، مع فارق وحيد هو أن القفص الجديد قد يكون أكثر خفاء، وأن السجان قد لا يترك خلفه حتى ظلا يمكن تعقبه. قال غيوم دارزاك، مدير حديقة الحيوان، بمرارة واضحة، إن هذه القرود أخرجت سابقا من ظروف بائسة ومن شبكات اتجار، وإنها قد تعود، للأسف، إلى ذلك العالم. في كلماته ما يشبه النبوءة المعكوسة: الإنقاذ الذي كان يفترض أن يكون نهاية المأساة يتحول إلى فصل مؤقت منها، والحماية تصبح استراحة قصيرة في طريق طويل من الاستغلال.

ما الذي يجعل كائنا صغيرا، لا يملك من العالم سوى جسده وغريزته وحاجته إلى الأمان، سلعة تساوي «ثروة صغيرة»، كما يوحي عنوان الخبر؟ هنا تبدأ الفلسفة في مساءلة الاقتصاد. فالسوق لا يحتاج دائما إلى أن يكره ضحيته؛ يكفي أن ينزع عنها صفة الكائن الحي، ويمنحها رقما وسعرا وطلبا. عندئذ يصبح الخوف قابلا للتداول، ويغدو الجسد البري قطعة نادرة في خزانة رغبات بشرية لا تعرف أين تنتهي حدودها. إن السوق السوداء للحياة البرية لا تسرق الحيوانات من أماكنها فحسب، بل تسرق من الطبيعة حقها في أن تكون طبيعة. إنها تفكك العالم إلى مقتنيات: حيوان نادر، ناب ثمين، جلد مرغوب، كائن يمكن إخفاؤه ونقله وبيعه. وفي هذا المنطق، لا يعود الانقراض كارثة بيئية فقط، بل يتحول إلى مفارقة اقتصادية مروعة: كلما صار الكائن أكثر ندرة، ازدادت جاذبيته لدى بعض المتاجرين، كأن اقترابه من الفناء يرفع سعره بدلا من أن يوقظ الضمير.

أما التامارين المهدد بشدة بالانقراض، فلا يحمل مأساته في حجمه الصغير وحده، بل في هشاشة عالم كامل يتضاءل معه. فالانقراض ليس اختفاء جسد من سجل الأنواع فحسب؛ إنه انطفاء احتمال من احتمالات الحياة، وحذف جملة من كتاب لم يكتمل بعد. وحين يختفي فرد من نوع نادر، لا يمكن اختزال الخسارة في ثمنه أو في عدد الحيوانات المتبقية منه، لأن الطبيعة لا تعمل بمنطق المستودعات، ولا تضمن أن كل ما يؤخذ يمكن تعويضه. والمفارقة الأكثر قسوة أن الإنسان، الذي يصف نفسه حارسا للكوكب، يستطيع أن يجمع بين بناء مؤسسات لحماية الحيوانات وخلق أسواق تحولها إلى غنائم. بيد أن هذه المفارقة لا تبرر اليأس؛ بل تكشف ضرورة الانتقال من أخلاق الشفقة إلى سياسة الحماية الفعلية: مراقبة أكثر صرامة، وتحقيقات قادرة على تتبع شبكات الاتجار، وتعاون عابر للحدود، وتجفيف الطلب الذي يمنح السرقة أرباحها. فالتعاطف الذي لا يتحول إلى نظام حماية يظل شعورا نبيلا، لكنه أعزل أمام الجريمة المنظمة.

ولا ينبغي أن تتحول هذه الحادثة إلى حكاية عن لصوص مجهولين فحسب، بل إلى سؤال عن مجتمع يعلن حبه للطبيعة بينما يسمح، عبر الطلب واللامبالاة والثغرات، باستمرار تجارة تحول الكائنات إلى أشياء. فالمسؤولية لا تقع على السارق وحده، بل تمتد إلى كل حلقة تجعل السرقة مربحة، وإلى كل رغبة ترى في امتلاك الحيوان النادر امتيازا لا انتهاكا. في النهاية، لا نعرف بعد أين ذهبت القرود الأربعة عشر، ولا ما الذي ينتظرها خلف الأبواب التي ابتلعتها. لكن غيابها يضع أمامنا حقيقة أشد قسوة من الأقفال المكسورة: ليست كل الأقفاص مرئية، وليست كل أشكال الأسر مصنوعة من الحديد. هناك أقفاص تبنيها الأسواق، وأخرى تصنعها الرغبة في التملك، وثالثة تتسع حتى تشمل العالم حين يصبح كل شيء فيه قابلا للبيع. لقد اختفت أربعة عشر قردا من حديقة صغيرة في فرنسا. غير أن ما يستحق البحث عنه ليس مكانها وحده، بل ذلك الجزء من إنسانيتنا الذي يسمح بتحويل الحياة إلى بضاعة، ثم يواصل الحديث عن الحضارة بضمير مطمئن. وربما كان السؤال الأكثر إزعاجا هو هذا: حين نضع الطبيعة خلف القضبان، من الذي نحبسه حقا، الحيوان الذي نراقبه، أم الوحش الذي تعلم كيف يبيع حريته؟

One thought on “حين سرقوا أربعة عشر قردا من حديقة الحيوان، انكشف الوجه القردي للعالم”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *