بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير
ثمة شتائم سياسية لا تصيب صاحبها بقدر ما تكشف قائلها. وثمة عبارات ترمى في الهواء كالحجارة، ثم لا تستقر في رأس أحد، بل تعود الى فم من أطلقها. وفي السياسة، حيث الكلمات ليست بريئة دائما، قد يكون أكثر الأسئلة ذكاء ليس: «هل الرجل يركع؟»، وإنما: من الذي يحتاج إلى أن يراه راكعا؟ في الأيام الأخيرة، عادت إلى الواجهة عبارات جارحة بحق نبيل بنعبدالله، من قبيل أنه «يركع» أو «ينبطح»، وهي عبارات تصلح أكثر كذخيرة في معركة إلكترونية منها كحكم سياسي رصين. ولأن السياسة في بلادنا تحب أحيانا أن ترتدي قفازات الملاكمة فوق بدلة الدولة، فقد صار من السهل جدا أن تتحول المناقشة من سؤال الموقف إلى إهانة الشخص، ومن تحليل القرار إلى اختراع هيئة جسدية للسياسي: هذا راكع، وذاك منبطح، وثالث ساجد، ورابع واقف كتمثال.
لكن السياسة، لحسن حظ العقل، أكثر تعقيدا من قاموس الشتائم. نبيل بنعبدالله ليس رجلا يحتاج إلى شهادة من أحد في قدرته على الكلام. من عايشه في المنابر السياسية يعرف أن الرجل خطيب سياسي متمرس، وأن اللغة عنده ليست مجرد حروف متجاورة، بل أداة اشتباك ومناورة وبناء للحجة. وقد امتد مساره من العمل الحزبي والإعلامي إلى وزارة الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، ثم إلى الدبلوماسية، ثم إلى وزارة السكنى، وصولا إلى قيادة حزب التقدم والاشتراكية منذ 2010. وقد لا يحب المرء خطابه. وقد يختلف جذريا مع خياراته. وقد يرى في بعض منعطفاته السياسية ما يستحق المساءلة والنقد. كل ذلك مشروع. لكن أن يتحول الاختلاف معه الى نزع الكرامة عنه، فذلك شيء آخر.
والأغرب في قصة بنعبدالله أن الذين يصفونه اليوم بأنه «منبطح» ربما ينسون أن الرجل نفسه كان، لسنوات، واحدا من أكثر السياسيين المغاربة استعمالا لمفردة «التحكم» وتحذيرا من مخاطره. فهل يمكن لرجل أمضى سنوات وهو يشتبك مع مفهوم «التحكم» أن يصبح، في لحظة، مجرد «راكع» أمامه؟ ربما. وربما تغيرت موازين القوى. وربما تغيرت القراءة. وربما تغير الرجل. وربما تغيرت السياسة نفسها. لكن كل هذه احتمالات تحتاج إلى أدلة، لا إلى الشتائم. فالسياسة ليست مهنة الثبات الرومانسي على الموقف الواحد. السياسة، في كل الديمقراطيات، فن الممكن، وفن التفاوض، وفن معرفة حدود القوة، وفن أن تدخل الغرفة وأنت تملك ورقة واحدة، ثم تخرج منها وقد حصلت على ورقتين. وهذا لا يعني أن كل تنازل فضيلة، ولا أن كل تفاوض خيانة. إنه يعني فقط أن علينا أن نتعلم الفرق بين الانبطاح والتفاوض. بين أن تتخلى عن مبادئك، وأن تعرف كيف تدافع عنها داخل ميزان قوى لا يمنحك دائما ما تريد.

الديمقراطية نفسها ليست حلبة يدخلها الجميع بالسيوف. إنها غرفة طويلة، فيها طاولة، وعلى الطاولة ملفات، وتحت الطاولة مصالح، وفوقها شعارات، وبين كل ذلك يجلس بشر يعرفون أن السياسة ليست كتابا مقدسا، بل صراع دائم بين الارادات. وإذا كان بنعبدالله قد اختار في لحظة ما طريقا سياسيا لا يعجب خصومه، فإن السؤال الجدي ليس: «هل ركع؟» السؤال هو: ماذا أخذ؟ وماذا أعطى؟ وما الذي بقي من خطه السياسي؟ هذا هو السؤال الذي يخيف الشتيمة، لأن الشتيمة لا تحتاج الى وثائق، بينما التحليل يحتاج الى ذاكرة. والذاكرة تقول إن الرجل ليس عابرا في المشهد المغربي. لقد كان وزيرا للاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة، وسفيرا للمغرب في روما، ثم وزيرا في قطاعات مرتبطة بالسكنى والتعمير، فضلا عن قيادته لحزب التقدم والاشتراكية. هذه التفاصيل ليست مديحا. إنها فقط تذكير بأن الرجل يمتلك رصيدا سياسيا يجعل اختزاله في صورة «رجل راكع» نوعا من الكسل الفكري. فالسياسي لا ينبغي أن يحاكم من خلال وضعية جسده في صورة ساخرة، وإنما من خلال وضعية أفكاره في التاريخ. وإذا أردنا محاسبته، فلنحاسبه على مواقفه. قولوا له: هنا أخطأت. وهنا تراجعت. وهنا بالغت. وهنا كان ينبغي أن تكون أكثر صرامة. وهنا ربما قدمت تنازلا لا يليق بتاريخ حزبك. وهنا ربما أخطأت في قراءة موازين القوى.
أما أن نقول «يركع» ونكتفي، فذلك ليس نقدا سياسيا؛ إنه إغلاق للملف قبل فتحه. ثم إن هناك مفارقة تكاد تكون أدبية في قصة بنعبدالله. الرجل الذي جعل من «التحكم» خصما سياسيا في مرحلة، يجد نفسه اليوم متهما بأنه أصبح جزءا من اللعبة التي كان يحذر منها. وهذه، في الحقيقة، ليست مأساة بنعبدالله وحده. إنها مأساة السياسة نفسها. فكم من ثائر جلس أخيرا إلى الطاولة التي كان يلعنها؟ وكم من معارض دخل القصر الذي كان ينتقده؟ وكم من صاحب مبدأ اكتشف، بعد وصوله إلى السلطة، أن العالم أكثر تعقيدا من المنشور الذي كان يكتبه في المعارضة؟ هنا تتدخل الفلسفة. فالانسان السياسي يعيش دائما بين صورتين: الصورة التي يريد أن يكون عليها، والصورة التي تسمح له موازين القوة بأن يكون عليها. وبين الإثنتين يولد التفاوض. أحيانا يكون التفاوض حكمة. وأحيانا يكون خوفا. وأحيانا يكون براغماتية. وأحيانا يكون سقوطا. ولا يستطيع أحد أن يميز بينها من خلال صورة أو منشور أو شتيمة. المعيار هو النتيجة.
لهذا فإن الذين يريدون محاكمة بنعبدالله عليهم أن يرفعوا مستوى السؤال، لا مستوى الصوت. اسألوا: هل حافظ على استقلالية القرار الحزبي؟ هل تغيرت مواقفه الجوهرية؟ هل دفع حزبه الى تنازلات تمس هويته؟ هل أصبح جزءا من منظومة كان ينتقدها؟ هل تفاوض من أجل موقع أم من أجل برنامج؟ هل حصل حزبه على شيء من السياسة التي مارسها؟ هل خسر شيئا من رصيده الاخلاقي والسياسي؟ هذه أسئلة تصلح لصحافة محترمة. أما «يركع» و«ينبطح»، فهي كلمات تصلح لحلبة التعليقات. والغريب أن بنعبدالله نفسه، في حديث سابق عن «التحكم»، كان يؤكد أن الحياة السياسية ينبغي أن تقوم على «التدافع السياسي والمنافسة الشريفة» بدل أن توجه بيد خفية. ولذلك فإن محاسبته اليوم يجب أن تتم بالمنطق ذاته الذي طالب به هو نفسه: التدافع بالحجة، لا الإعدام بالكلمة.
هناك شيء آخر يجب ألا ننساه. السياسة ليست مختبرا للإطهار. السياسي الذي لا يعرف التفاوض لا يعيش طويلا في السياسة، والسياسي الذي يتفاوض على كل شيء يفقد نفسه. والفاصل بين الإثنين هو أصعب منطقة في الحياة العامة. إنّه ذلك الخيط الرفيع الذي يمشي عليه السياسي فوق هاوية المصالح: خطوة واحدة زائدة، فيصبح براغماتيا؛ خطوة أخرى، فيصبح انتهازيا؛ خطوة ثالثة، فيصبح تابعا. لكن لا يجوز لنا أن نعلن سقوطه قبل أن نرى أين وضع قدمه. ومع عودة بنعبدالله إلى قلب المشهد السياسي، تصبح المسألة أكثر إثارة للاهتمام: هل نحن أمام رجل يبحث عن موقع جديد في خريطة سياسية متحركة، أم أمام زعيم حزبي يحاول أن يحمي ما تبقى من مساحة مستقلة لحزبه؟
هنا تحديدا ينبغي أن نكون أذكياء. إذا فاوض بنعبدالله، فهذه ليست فضيحة. إذا طالب بموقع لحزبه، فهذه ليست فضيحة. إذا رفض عرضا، فهذه ليست بطولة تلقائية. إذا قبل عرضا، فهذه ليست خيانة تلقائية. كل شيء يتوقف على الثمن السياسي. فالكرسي ليس المشكلة. المشكلة هي ماذا دفع السياسي مقابل الكرسي. وهل دفع من ماله السياسي، أم من مبادئ حزبه؟ هل اشترى موقعا أم باع موقفا؟ بين الجملتين مسافة أخلاقية تساوي عمر حزب كامل. ومن هنا، فإن أكثر ما يثير التفكير في قضية بنعبدالله ليس الرجل نفسه، وإنّما ظاهرة أوسع: لماذا نحب في السياسة صناعة الأصنام ثم تحطيمها؟ نرفع السياسي إلى السماء، ثم نبحث عن لحظة سقوطه. نمنحه لقب «الزعيم»، ثم نحوله في اليوم التالي الى «منبطح». كأننا لا نحتمل الإنسان السياسي في منطقته البشرية؛ نريده إما ملاكا أو خائنا، إما ثائرا أو تابعا، إما بطلا أو دمية. لكن السياسة لا تنتج ملائكة. تنتج بشرا. والبشر يترددون، ويتفاوضون، ويخطئون، ويصيبون، ويغيرون حساباتهم، ويصطدمون بجدران الواقع. وهنا تكمن ضرورة الصحافة: أن تمنع الجمهور من أن يتحول الى محكمة غضب.
إن بنعبدالله يستحق النقد. بل يستحق نقدا شديدا إذا ثبت أن مواقفه تناقض ما دافع عنه طوال سنوات. لكن هذا النقد يجب أن يكون بحجم تجربته، لا بحجم منشور غاضب. فالرجل الذي خاض معارك سياسية وفكرية لعقود لا يمكن إسقاطه بجملة من أربعة أحرف. وإذا كان قد تغير، فلنكتشف أين تغير. وإذا كان قد تنازل، فلنعرف عن ماذا تنازل. وإذا كان قد أخطأ، فلنحدد خطأه. وإذا كان قد انتصر في لعبة سياسية، فلنعترف بانتصاره حتى لو كنا لا نحب قواعد اللعبة. ذلك هو النضج. أما أن نقول إنه «يركع للتحكم»، فنحن لا نحلل بنعبدالله، بل نصنع منه شخصية كرتونية. والسياسة لا تفهم بالكرتون. السياسة تحتاج الى مشرط. إلى ذاكرة. إلى وثيقة. إلى مقارنة بين القول والفعل. إلى شجاعة تقول للسياسي الذي نؤيده: أخطأت. وتقول للسياسي الذي نختلف معه: أصبت. ذلك وحده هو استقلال العقل.
ولعل المفارقة الأجمل أن الرجل الذي يتهم اليوم بأنه «خضع للتحكم» كان في مرحلة سابقة يشرح أن التحكم نفسه يعيش على الوهم، وعلى جعل الناس يعتقدون أن هناك قرارات يجب الامتثال لها. فربما آن الأوان أن نطبق الفكرة على الجميع. لا نصدق الوهم الذي يصنع من السياسي بطلا. ولا الوهم الذي يصنع منه خائنا. ولا الوهم الذي يجعله راكعا. لننظر إلى قدميه، لا إلى الصورة التي يرسمها خصومه حول جسده. ثم نسأل ببساطة، وبقسوة هادئة: إلى أين يمشي؟ ففي السياسة، ليست العبرة بمن يبدو واقفا أو جالسا أو راكعا. العبرة بمن يملك الطريق. ومن يعرف لماذا يسير فيه. ومن يدفع ثمنه. ومن، حين يصل إلى آخره، يستطيع أن ينظر الى المرآة دون أن يرى وراء وجهه ظل صفقة لم يعترف بها أحد.
