حين تحدث ميلي عن المالوين وصمت بوريطة عن سبتة: هل آن أوان استعادة الملف المنسي؟

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

في الأمم المتحدة، لا توجد جغرافيا صامتة. هناك أراض تتكلم بأصوات أصحابها، وأخرى لا تتكلم إلا حين يقرر أصحابها أن يرفعوا عنها الغبار. وفي الأسبوع الجاري، بدا المشهد كأنه مرآة غريبة: الأرجنتين حملت المالوين إلى منصة العالم، وإسبانيا حملت سبتة إلى المنصة نفسها، فيما اختار المغرب أن يضع ملف المدينتين في الظل. خافيير ميلي لم يفوت المناسبة. في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء 23 سبتمبر، أعاد التأكيد على أن المالوين «قضية وطنية»، ودعا إلى حل سلمي وإلى استئناف المفاوضات مع بريطانيا. ولم يكن ذلك مجرد فصل عابر في خطاب رئيس أرجنتيني؛ فالمالوين مدرجة أصلا على قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ 1946، وتتناولها الجمعية العامة ولجنة تصفية الاستعمار منذ عقود. هنا يصبح السؤال المغربي مشروعا: إذا كانت بوينس آيرس ترى في نيويورك منبرا طبيعيا لتجديد خطابها حول المالوين، فلماذا لا يرى المغرب في المنبر نفسه مساحة لإبقاء سبتة ومليلية حاضرتين في الوعي الدولي؟

ليس السؤال دعوة إلى صدام دبلوماسي، ولا إلى تحويل العلاقات المغربية الإسبانية إلى حلبة ملاكمة. بل هو سؤال عن الذاكرة السياسية للدولة: كيف تحافظ الأمم على ملفاتها التاريخية من دون أن تسمح لها بأن تتحول إلى ملفات منسية؟لقد تحدث ناصر بوريطة أمام الجمعية العامة في 22 سبتمبر، وكان خطابه كثيفا بقضايا الصحراء المغربية، وفلسطين، والأمن الدولي، وإصلاح التعددية، كما أعلن ترشح المغرب لعضوية مجلس الأمن غير الدائمة للفترة 2028-2029. لكنه لم يذكر سبتة ومليلية في خطابه. وقد يكون لذلك حساب دبلوماسي مفهوم. فالمغرب وإسبانيا لم يعودا دولتين تعيشان على ضفتي قطيعة باردة. بينهما تجارة وأمن وهجرة وطاقة واستثمارات وتعاون أمني ومصالح أوروبية وإفريقية متشابكة. ومنذ التحول الكبير في العلاقات سنة 2022، اختارت الرباط ومدريد إدارة الملفات الحساسة بقدر كبير من البراغماتية، مع ترك بعض الأسئلة السيادية الثقيلة خارج طاولة الاشتباك اليومي.

لكن السياسة الخارجية ليست فقط فن معرفة ما يجب قوله. إنها أيضا فن معرفة ما لا ينبغي السماح بنسيانه. وهنا جاءت إسبانيا لتذكر المغرب بهذه القاعدة بطريقتها الخاصة. فبيدرو سانشيز جعل سبتة حاضرة بقوة في خطابه أمام الجمعية العامة، مقدما الأزمة التي عرفتها المدينة خلال يوليو باعتبارها أزمة حدود وهجرة وامتحانا للقانون والإنسانية، ودافع عن تعامل حكومته معها. وقبل ذلك بأيام، أصدر البرلمان الأوروبي قرارا أدان العبور الجماعي إلى سبتة، وطالب بتعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد، وأعلن تضامنه مع سكان سبتة ومليلية.

لكن ينبغي هنا الحذر من قراءة القرار الأوروبي باعتباره حكما دوليا في السيادة. البرلمان الأوروبي لم يبت في النزاع المغربي الإسباني حول المدينتين، وإنما تحرك في سياق أزمة الهجرة وحماية حدود الاتحاد. وهذه نقطة قانونية لا ينبغي للصحافة الجادة أن تتجاوزها. غير أن السياسة أحيانا تقول ما هو أوسع من النص القانوني. فالقرار الأوروبي وضع سبتة ومليلية في قلب خطاب أوروبي عن الحدود والسيادة والأمن. وسانشيز فعل الشيء نفسه من فوق منبر الأمم المتحدة. وبذلك تحركت مدريد على مستويين: المستوى الأوروبي والمستوى الدولي. في المقابل، بقي الصوت المغربي غائبا عن هذا الملف في المناسبة الدولية ذاتها.

فالمغرب لم يكن بلا إنجاز دبلوماسي في نيويورك، بل على العكس تماما. فقد حصل على إعلان تشيلي دعم سيادة المملكة المغربية على كامل ترابها، بما في ذلك الصحراء، واعتبار مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 حلا سياسيا عادلا ودائما ومقبولا، مع استعداد سانتياغو لتطوير التعاون الاقتصادي والتجاري في الصحراء المغربية. كما وقع البلدان أساسا تفاوضيا للانطلاق نحو اتفاق للتجارة الحرة. وهذا ليس تفصيلا صغيرا. إنه يوضح أن الدبلوماسية المغربية في نيويورك كانت تتحرك وفق أولويات محددة: تثبيت المكاسب المتراكمة في قضية الصحراء، وتوسيع دائرة الدول الداعمة للمقاربة المغربية، وتحويل المواقف السياسية إلى شراكات اقتصادية ومؤسساتية. لكن نجاح هذا المسار لا يقتضي، بالضرورة، دفن ملف سبتة ومليلية. بل ربما العكس. يمكن للمغرب أن يواصل بناء شرعية موقفه في الصحراء، وفي الوقت نفسه يحافظ على حضوره السياسي في ملف المدينتين. فالدول لا تملك ترف ذاكرة واحدة.

والمقارنة مع المالوين مفيدة هنا، ولكن ليس لأن القضيتين متطابقتان قانونيا. إنهما ليستا كذلك. فالمالوين مدرجة في قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، بينما لا توجد سبتة ومليلية على هذه القائمة. ولذلك فإن استنساخ الخطاب الأرجنتيني حرفيا لن يكون دقيقا. لكن ثمة درس سياسي واضح: الدولة التي لا تعيد تقديم قضيتها إلى العالم، تترك الآخرين يعيدون تعريفها نيابة عنها. والمغرب يعرف هذه الحقيقة أكثر من غيره. ففي سبتمبر 2002، وقف وزير الخارجية محمد بن عيسى أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة وطالب باستعادة سبتة ومليلية والجزر المجاورة، وقدم المسألة باعتبارها بقايا وضع استعماري قديم. وكان ذلك في ذروة توتر مغربي إسباني أعقب أزمة جزيرة ليلى. منذ ذلك الحين تغير العالم، وتغير المغرب، وتغيرت إسبانيا، وتغيرت طبيعة العلاقات بين البلدين. لكن الجغرافيا لم تتغير. ما زالت سبتة ومليلية على الضفة الإفريقية من المتوسط، وما زال المغرب يرى فيهما جزءا من قضيته الترابية، بينما تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما. وهذه الحقيقة السياسية لا تحتاج إلى صراخ كي تكون موجودة. بل ربما تحتاج إلى شيء أكثر أناقة: إدارة هادئة للذاكرة الوطنية.

ليس المطلوب أن يحول المغرب كل اجتماع دولي إلى منصة لمهاجمة إسبانيا. فهذا قد يضر أكثر مما ينفع، خصوصا في علاقة أصبحت ذات أهمية استراتيجية للبلدين ولأوروبا. المطلوب هو ألا يتحول الهدوء إلى نسيان. هناك فرق بين أن تؤجل الدولة معركة، وأن تتخلى عن ذاكرتها. والدبلوماسية الذكية لا تصرخ في كل مرة، لكنّها أيضا لا تسمح للآخرين بأن يكتبوا وحدهم قاموس القضية. لذلك ربما كان السؤال الحقيقي الذي تركته اجتماعات نيويورك هذا العام ليس: لماذا لم يتحدث بوريطة عن سبتة ومليلية؟ بل: هل يستطيع المغرب أن يحقق ما يريد في الصحراء من دون أن يسمح لملف سبتة ومليلية بأن يتحول إلى هامش في كتابه الدبلوماسي؟ ذلك هو الامتحان الأصعب. فالمغرب الذي نجح خلال السنوات الأخيرة في نقل قضية الصحراء من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، وأقنع دولا جديدة بتأييد مبادرة الحكم الذاتي، كما حدث مع تشيلي هذا الأسبوع، يستطيع أيضا أن يحتفظ بملف سبتة ومليلية حيا، هادئا، عقلانيا، ومفتوحا على المستقبل. ليس بالضرورة بخطاب صدامي، ولا بمغامرة دبلوماسية، ولا باستدعاء لغة الماضي في كل مناسبة. يكفي أحيانا أن يقال للعالم، بهدوء لا يخطئه السامع: لدينا ملف لم ننسه. ثم يترك للزمن، وللدبلوماسية، وللجغرافيا أن تكمل بقية الجملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *