لعنة الهدايا: حين تدخل المجوهرات من الباب وتخرج السياسة من النافذة

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

ثمة هدايا لا تصل إلى صاحبها ملفوفة بورق فاخر، بل تحمل معها ظلا طويلا. تبدو في لحظتها مجاملة بروتوكولية، ثم لا تلبث أن تتحول، بعد سنوات، إلى سؤال قضائي، وإلى امتحان أخلاقي، وإلى حجر صغير في حذاء رجل سياسي يكتشف متأخرا أن بعض الأحجار الكريمة أثقل من أن تخبأ في صندوق مجوهرات. هذا هو المشهد الذي عاد ليطارد خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو، رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق. فقد أبلغ القضاء أن اثنتي عشرة قطعة من المجوهرات عثرت عليها الشرطة في خزانة مكتبه، وتقدر قيمتها بأكثر من 1.2 مليون يورو، كانت هدية شخصية تلقاها من الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز خلال زيارته إلى إسبانيا سنة 2007. ويطلب دفاع ثاباتيرو التحقق من هذه الرواية عبر السلطات السعودية. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية، لا عند سؤال: من أعطى ثاباتيرو المجوهرات؟ بل عند السؤال الأكثر إزعاجا: متى تتوقف الهدية عن كونها هدية؟

فالدولة الحديثة قامت، في أحد معانيها العميقة، على الفصل بين الشخص والمنصب. أما الهدية الثمينة التي تصل إلى رجل الدولة بسبب موقعه، فإنها تأتي من المنطقة الرمادية التي يجلس فيها الإنسان الخاص فوق الكرسي العام. ومن هذه المنطقة تولد الشبهة: ليس لأنّ كل هدية رشوة، بل لأنّ بعض الهدايا تستطيع أن تجعل الحدود بين الاثنين قابلة للمحو. وتزداد المفارقة حدة لأن ثاباتيرو لا يستطيع الاحتماء بجهله بالقواعد التي تحكم هذا الباب. ففي عهده، وفي مارس 2005، أقرت حكومته «مدونة الحكم الرشيد» التي نصت على رفض الهدايا التي تتجاوز أعراف المجاملة، وعلى إدخال الهدايا ذات الأهمية المؤسسية إلى تراث الدولة. وهنا يبدو المشهد كأنّه نكتة سياسية سوداء كتبتها الوقائع بنفسها: الرجل الذي شارك في وضع قواعد تضبط شهية السلطة يجد نفسه، بعد سنوات، مضطرا إلى أن يشرح للقضاء لماذا بقيت في خزانته مجوهرات تتجاوز قيمتها المليون يورو. والأكثر دلالة أنّ هذه لم تكن الهدايا السعودية الوحيدة. فقد تلقى ثاباتيرو في المناسبة نفسها هدايا أخرى من الملك عبد الله، بينها ساعات، وأودعت في التراث الوطني الإسباني. كما وصلت إليه هدايا أخرى سنة 2008، وأدخلت هي أيضا في ملكية الدولة. أما المجوهرات موضوع التحقيق الحالي، فقد بقيت خارج هذا المسار باعتبارها، وفقا لروايته، هدية شخصية. وهنا تتكثف المعضلة كلّها في سؤال بسيط: ما الذي يجعل ساعة هدية للدولة، ومجوهرات تتجاوز قيمتها المليون يورو هدية للرجل؟

قد يحسم القانون هذا السؤال في النهاية، لكن السياسة لا تنتظر المحكمة كي تفهم الرموز. فالمشكلة ليست أن عبد الله بن عبد العزيز كان ملكا سعوديا، ولا أنّ ثاباتيرو كان اشتراكيا، ولا أنّ المجوهرات مرصعة بالأحجار الكريمة. المشكلة أنّ السلطة حين تهدي السلطة لا تتصرف كصديقين يتبادلان علبة حلوى. هناك دول ومصالح وذاكرة دبلوماسية وشبكات نفوذ، وكلّ ذلك يجعل الهدية أكبر من حجمها المادي. الهدية الشخصية بين رجلين عاديين تنتهي عند صاحبها. أمّا الهدية الشخصية بين ملك ورئيس حكومة، فإنها تولد في الفضاء العام حتى لو انتهت في خزانة خاصة. ومن هنا تبدو عبارة «هدية شخصية» بريئة في اللغة، لكنّها شديدة التعقيد في السياسة. ثم إن قضية المجوهرات لا تأتي منفردة. فثاباتيرو يخضع للتحقيق أيضا في قضية «بلوس ألترا»، المتعلقة بإنقاذ شركة الطيران الإسبانية بمبلغ 53 مليون يورو، حيث يبحث القضاء في شبهات تتعلق بالاتجار بالنفوذ والتزوير وتكوين شبكة إجرامية. ويضع التحقيق اسمه في سياق علاقات يشتبه في أنّها سعت إلى تحقيق منافع اقتصادية عبر التأثير في مؤسسات الدولة. لكن هذه تبقى اتهامات قيد التحقيق، وثاباتيرو ينفي ممارسة نفوذ غير مشروع أو تقاضي عمولات مقابل عملية الإنقاذ.

وهنا لا ينبغي ارتكاب الخطأ السهل: تجاور المجوهرات وملف بلوس ألترا لا يحولهما إلى قضية واحدة، ولا يجعل الهدية رشوة بحكم وجود التحقيق. لكن تزامنهما يفرض على رجل الدولة السابق أن يقدم تفسيرا أكثر صرامة لعلاقته بالمال والنفوذ والمصالح الخاصة. ومن هذه الزاوية تصبح القضية أكبر من ثاباتيرو نفسه. إنها تتعلق بثقافة سياسية اعتادت أن تنظر إلى الهدايا القادمة من القصور باعتبارها جزءا من ديكور السلطة: ساعة هنا، مجوهرات هناك، ومبالغ ضخمة تظهر أحيانا في الظل. لكن الديمقراطية لا تختبر فقط في صناديق الاقتراع والبرلمانات، بل تختبر أيضا في قدرة المسؤول على أن يقول للملك ورجل الأعمال وصاحب النفوذ: شكرا، ولكن لا أستطيع أن آخذ هذا. ولعل المفارقة الأشد قسوة أن الهدية لا تطلب شيئا لحظة تقديمها. إنها تنتظر. تنتظر تغير الحكومات، وموت الملوك، وتقاعد الرؤساء، وانقلاب التحالفات، وفتح الخزائن، وظهور المحققين. ثم تتكلم الأحجار.

أما خوان كارلوس، الملك الإسباني السابق، فيقدم فصلا آخر من هذه الحكاية، ولكن ينبغي ضبط الرواية بدقة. فقد ارتبط اسمه لاحقا بتحقيقات حول مبلغ يقارب 100 مليون دولار نسب إلى الملك عبد الله، بينما كان خوان كارلوس قد تنازل عن العرش سنة 2014. لذلك لا يمكن القول إن الأموال السعودية دفعته إلى التنازل عن العرش باعتبار ذلك واقعة مثبتة؛ فالقضية المالية ظهرت علنا وتبلورت سياسيا وقضائيا في مرحلة لاحقة. ومع ذلك، تبقى المفارقة التاريخية لافتة: أموال وهدايا خرجت يوما من القصور السعودية بوصفها علامات قرب وامتياز، عادت بعد سنوات لتصبح جزءا من الأسئلة التي تلاحق رجال السلطة الإسبانية. ليست المسألة إذن أن كل هدية رشوة، ولا أن كل علاقة بين القصور العربية والسياسيين الغربيين مشبوهة. المسألة أكثر هدوءا وأشد عمقا: حين يقبل رجل الدولة هدية استثنائية القيمة من سلطة أجنبية، فإنه لا يملك وحده معنى تلك الهدية؛ المجتمع والقانون والتاريخ يملكون نصيبا من تفسيرها. وقد لا تثبت التحقيقات في النهاية أي مخالفة في قصة مجوهرات ثاباتيرو. لكن المفارقة السياسية ستبقى قائمة: كان يمكن رفض الهدية في لحظة واحدة، أما تفسيرها أمام التاريخ فقد يستغرق عشرين عاما. بعض الهدايا لا تطلب ثمنا عند تقديمها. إنها تكتفي بالاحتفاظ بالفاتورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *