بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في فرنسا، حيث تتقن السياسة فن المشي فوق حبال مشدودة بين الخوف والطموح، لا تظهر الأسماء الكبيرة دائما بوصفها مشاريع للمستقبل، بل أحيانا كأنها رسائل مشفرة يبعثها الماضي إلى حاضر فقد ثقته بنفسه. ومن هذا الشق الدقيق في جدار الجمهورية، يطل اسم جيرار لارشيه، رئيس مجلس الشيوخ، بوصفه احتمالا لإنقاذ اليمين والوسط من متاهة 2027، بعدما طرحت يائيل براون بيفيه، رئيسة الجمعية الوطنية، فكرة مرشح موحد يمتد من حزب الوسط الديمقراطي إلى اليمين الجمهوري، وفق ما نقلته صحيفة «لو فيغارو» في 27 أكتوبر 2026. لكن وراء هذا الاقتراح الذي يبدو، في ظاهره، دعوة إلى الوحدة والتهدئة، تختبئ حكاية أكثر غرابة: ماذا يحدث حين تصبح السياسة عاجزة عن تخيل مستقبلها، فتستدعي رجلا من ذاكرة مؤسساتها، كأن الزمن نفسه صار مستشارا انتخابيا؟
إن ترشيح لارشيه، أو مجرد التلويح باسمه اختبار لقدرة الوسط واليمين التقليدي على إنتاج معنى مشترك، بعدما أخذت المسافات بين مكوناتهما تتسع، وتكاثرت الشقوق في الجدار الذي كان يحميهما من زحف الأطراف. فالوحدة التي تدعو إليها براون بيفيه ليست بالضرورة اكتشافا سياسيا جديدا، بقدر ما قد تكون اعترافا بأن التشتت صار خطرا وجوديا على معسكر يخشى أن يجد نفسه خارج المشهد الحاسم، فيما يعيد الآخرون رسم حدود الممكن. هنا تتخذ السياسة هيئة متاهة ذات مرايا كثيرة: كل طرف يرى في المرشح الموحد فرصة لإنقاذ موقعه، لكنه يخشى في الوقت نفسه أن يكون هذا التوحيد اسما مهذبا للتنازل. فالوسط يريد مرشحا لا يخيف الناخب المعتدل، واليمين الجمهوري يريد ضمانات بألا يذوب في خطاب لا يشبهه، فيما يظل الناخب، ذلك الكائن الذي تستدعيه الأحزاب في المواسم ثم تنساه في الممرات، مطالبا بالتصديق على تسوية قد تكون قد نضجت في الغرف قبل أن تولد في المجتمع.
أما جيرار لارشيه، فإن قيمته المحتملة لا تكمن فقط في شخصه، بل في الرمز الذي يمثله: رجل المؤسسات في زمن تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات، وصوت التقاليد في لحظة يتغير فيها تعريف السلطة، ووجه مألوف في مشهد يزداد اضطرابا. غير أن الألفة ليست برنامجا، والوقار ليس بديلا عن الرؤية، كما أن القدرة على جمع السياسيين حول طاولة لا تعني بالضرورة القدرة على جمع المواطنين حول مستقبل. من هنا، لا ينبغي قراءة الاقتراح باعتباره إعلانا مبكرا عن مرشح ناجز، بل باعتباره إشارة إلى مأزق أعمق: هل لا يزال اليمين والوسط قادرين على إنتاج مشروع سياسي يجيب عن أسئلة فرنسا، أم أنهما يبحثان عن شخصية قادرة على تأجيل انفجارات خلافاتهما إلى ما بعد الانتخابات؟ فالمجتمعات لا تنتخب الأسماء وحدها، بل تنتخب، في العمق، تصوراتها عن العدالة والهوية والأمن والقدرة على العيش معا. وإذا لم تجد هذه التصورات طريقها إلى برنامج واضح، فإن أكثر المرشحين اتزانا قد يتحول إلى قبطان أنيق لسفينة لا تتفق أجزاؤها على وجهة الإبحار.
والأخطر أن الدعوة إلى الوحدة قد تخفي مفارقة سياسية قاسية: كلما ازداد الخوف من الخسارة، ارتفع صوت التوافق؛ لكن التوافق الذي يولد من الخوف وحده قد يكون هدنة بين طموحات متعارضة، لا عقدا جديدا مع المجتمع. فالديمقراطية لا تحتاج إلى مرشح واحد لمجرد أن تعدد المرشحين يربك الحسابات، بل تحتاج إلى تنافس يكشف الاختلافات الحقيقية، ثم إلى قدرة على تحويل هذا الاختلاف إلى قرار قابل للحياة. في الفلسفة، لا تكون الأزمة دائما لحظة انهيار؛ قد تكون اللحظة التي ينكشف فيها عجز الأفكار القديمة عن تفسير عالم جديد. ومن هذه الزاوية، تبدو فرنسا أمام سؤال يتجاوز اسم لارشيه وموعد 2027: هل تريد أن تستعيد توازنها عبر إعادة ترتيب الوجوه، أم أن عليها أن تعيد ترتيب المعاني التي تمنح السلطة شرعيتها؟
إن التاريخ لا يعود مرتديا البدلة نفسها، لكنه يحب أحيانا أن يطرق الباب بصوت مألوف. وقد يكون جيرار لارشيه، في هذا المشهد، أكثر من احتمال انتخابي وأقل من حل نهائي: مرآة يختبر فيها الوسط واليمين مقدار ما تبقى من قدرتهما على الحلم المشترك. أما الاختبار الحقيقي، فلن يكون في عدد الأحزاب التي تصطف خلف اسم واحد، بل في مقدار الأفكار التي تستطيع هذه الأحزاب أن تضعها أمام الفرنسيين من دون أن تخفي تناقضاتها تحت ستار الوحدة. فالجمهوريات لا تسقط دائما حين تعجز عن اختيار مرشح؛ أحيانا تبدأ أزمتها حين يصبح المرشح بديلا عن السؤال، والوحدة بديلا عن الرؤية، والهدوء بديلا عن الحقيقة. وعندئذ، لا يعود الخطر أن تخسر الأحزاب انتخابات، بل أن تربحها من دون أن تعرف لماذا أرادها الناس أن تحكم.
