بقلم زكية لعروسي, باريس
في المدن التي تعيش على ضفاف البحيرات، يبدو الزمن أكثر هدوءا مما هو عليه في العواصم. الماء يخدع الناظر دائما. يوحي بالسكينة فيما تخفي الأعماق تيارات متصارعة لا تراها العين. هكذا بدت إيفيان في يونيو 2026: مدينة أنيقة تتكئ على كتف بحيرة ليمان، تستضيف أقوى قادة العالم الديمقراطي، بينما كانت تحت السطح تتكسر إحدى أهم المسلمات الجيوسياسية التي حكمت النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لم يفشل قادة مجموعة السبع في إصدار بيان ختامي فحسب، بل كشفوا دون قصد عن حقيقة أكثر أهمية: الغرب لم يعد كتلة سياسية متماسكة، بل أصبح جغرافيا مشتركة لأحلام متباعدة. ولعل المأساة الكبرى ليست في غياب البيان، بل في أن أحدا لم يعد متفاجئا بغيابه.
في القديم، كانت الحضارات والدول تبدأ أفولها يوم تتوقف عن الاتفاق على تعريف العالم. روما لم تسقط حين دخلها البرابرة، بل حين أصبح الرومان أنفسهم مختلفين حول معنى روما. والإمبراطورية الإسبانية لم تنهَر يوم خسرت مستعمراتها، بل حين فقدت النخبة الإسبانية اليقين بأنها تحمل رسالة كونية. واليوم، يبدو أن الغرب يعيش لحظة مشابهة، ولكن بملابس القرن الحادي والعشرين وخوارزميات الذكاء الاصطناعي وأسواق المال العابرة للقارات. في إيفيان، اجتمع قادة الدول الصناعية الكبرى تحت سقف واحد، لكنهم دخلوا إليه حاملين خرائط مختلفة للعالم. أوروبا جاءت وهي ترى روسيا التهديد الوجودي الأول، وترى أوكرانيا خط الدفاع الأخير عن النظام الأمني الأوروبي. أما واشنطن الترامبية الجديدة فجاءت وهي تنظر إلى العالم بعين التاجر أكثر من عين الإمبراطور، وبمنطق الصفقة أكثر من منطق التحالفات التاريخية. وهنا تكمن العقدة الفلسفية العميقة. فالتحالفات الكبرى لا تقوم على المصالح وحدها كما يظن الواقعيون المتشددون، ولا على القيم وحدها كما يتخيل المثاليون. إنها تقوم على شيء أكثر هشاشة وتعقيداً: قصة مشتركة. ولمدة ثمانية عقود تقريبا، عاش الغرب داخل قصة واحدة. كانت هناك رواية كبرى تبدأ من نورماندي، تمر بخطة مارشال، وتعبر جدار برلين، ثم تصل إلى العولمة الليبرالية. الجميع عرف دوره داخل المسرحية.

أما اليوم، فقد بقي المسرح بينما ضاع النص. ولهذا بدا المشهد في إيفيان أقرب إلى رواية روسية منه إلى قمة دبلوماسية. كان يمكن لتولستوي أن يكتبها. في إحدى القاعات يجلس زعماء يتحدثون عن الذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة وسلاسل التوريد، بينما في القاعة المجاورة يتجادلون حول أوكرانيا وهرمز ومستقبل الردع النووي. الجميع يتكلم اللغة نفسها، لكن كل واحد يسمع معنى مختلفا للكلمات نفسها. كلمة “الأمن” لم تعد تعني الشيء ذاته للألمان والأمريكيين والفرنسيين. وكلمة “السيادة” لم تعد تعني الشيء ذاته لباريس وواشنطن ووارسو. وكلمة “الغرب” نفسها أصبحت سؤالا أكثر منها جوابا. إن أزمة مجموعة السبع ليست أزمة بيان دبلوماسي، بل أزمة تعريف. تعريف الذات. تعريف العدو. وتعريف المستقبل. ومن هذه الزاوية تحديدا يمكن فهم الخلاف حول مضيق هرمز. فحين أعلنت العواصم الأوروبية استعدادها للمشاركة في حماية الملاحة البحرية، كانت تتصرف وفق منطق تاريخي قديم: حماية طرق التجارة العالمية مسؤولية جماعية. أمّا حين رفض دونالد ترامب الفكرة، فإنه كان يتحدث بلغة مختلفة تماما: إذا كانت المشكلة حلَّت، فلماذا نرسل السفن؟ خلف هذا الخلاف التقني تختبئ رؤيتان متناقضتان للنظام الدولي. الأولى تعتبر الاستقرار سلعة عامة يجب أن تتشارك القوى الكبرى في إنتاجها. والثانية تعتبر أن كل التزام دولي يجب أن يخضع لحساب الربح والخسارة المباشرة. وهذه ليست مجرد خلافات سياسية. إنها اختلافات حضارية حول معنى القوة نفسها.
هنا تحديدا تظهر فرنسا. ليس بوصفها قوة عسكرية فقط، ولا بوصفها عضوا دائما في مجلس الأمن، بل بوصفها آخر دولة أوروبية ما زالت تحاول التفكير بلغة التاريخ الطويل. الرئيس إيمانويل ماكرون يدرك أن أوروبا لا تواجه أزمة موارد ولا أزمة تكنولوجيا ولا أزمة ثروة. إنها تواجه أزمة إرادة. فالقارة التي أنجبت نابليون وديغول وبيسمارك وتشرشل أصبحت عاجزة عن إنتاج طائرة مقاتلة موحدة. وليس مصادفة أن يتزامن تعثر قمة إيفيان مع موت مشروع المقاتلة الأوروبية المستقبلية. فالسياسة ليست سوى التكنولوجيا وقد تحولت إلى إرادة. والتكنولوجيا ليست سوى السياسة وقد تحولت إلى معدن. ومن يعجز عن توحيد مصانع السلاح سيعجز عاجلا أو آجلا عن توحيد الرؤية الاستراتيجية. وكما كانت أمي خيرة تقول دائما: “الدار التي يختلف أهلها على الباب، يدخلها الريح من كل النوافذ.” كانت تقولها وهي تتحدث عن شؤون الحياة البسيطة، لكنها تصلح اليوم لوصف أوروبا كلها.

لقد انشغلت القارة لعقود بتوزيع المكاسب، حتى نسيت أن التاريخ لا يحترم إلا من يستطيع حماية مكاسبه. أما ما يثير التأمل أكثر فهو أن الأزمة ليست أوروبية فقط. فالولايات المتحدة نفسها تبدو وكأنها تخوض نقاشا وجوديا مع ذاتها. هل هي جمهورية تجارية كبرى؟ أم إمبراطورية بحرية عالمية؟ أم زعيمة لمعسكر إيديولوجي؟ أم مجرد دولة تبحث عن مصالحها مثل بقية الدول؟ هذا السؤال لم يحسم بعد. ولهذا تبدو واشنطن أحيانا كمن يقود سفينة عملاقة بينما لا يزال الطاقم مختلفاً حول وجهة الرحلة. ومن منظور أوسع، فإن الفائز الحقيقي من هذا المشهد ليس روسيا ولا حتى الصين مباشرة، بل فكرة التعددية القطبية نفسها. فبكين لا تحتاج اليوم إلى هزيمة الغرب. يكفيها أن تراقب انقسامه. لا تحتاج إلى تحطيم المؤسسات الغربية. يكفيها أن ترى تلك المؤسسات تفقد قدرتها على اتخاذ القرار. ولهذا تبدو مجموعة السبع وكأنها تجلس فوق مفارقة تاريخية قاسية. لم تكن دولها أغنى مما هي عليه اليوم. ولم تكن تقنياتها أكثر تقدما. ولم تكن جيوشها أكثر تطورا. ومع ذلك لم يكن شعورها بالشك في نفسها أكبر مما هو الآن.
إن الحضارات هي التي تقدر على إنتاج معنى جماعي للمستقبل. وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فالأزمة ليست في غياب البيان. وليست في خلاف حول هرمز أو أوكرانيا. وليست حتى في صعود الصين. الأزمة أن الغرب الذي اعتاد طوال قرن كامل أن يشرح العالم للآخرين، بدأ يفقد القدرة على شرح نفسه لنفسه. وفي التاريخ، عندما تعجز القوى الكبرى عن تعريف ذاتها، يبدأ الآخرون بكتابة تعريف جديد لها. وربما لهذا السبب ستبقى قمة إيفيان في ذاكرة المؤرخين لا باعتبارها القمة التي فشلت في إصدار بيان ختامي، بل باعتبارها اللحظة التي وقف فيها الغرب أمام مرآته، فاكتشف أن الشقوق لم تعد في الزجاج، بل في الوجه نفسه.
📲 Partager sur WhatsApp