بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاكن-الدنمارك
إن الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سوانشيز، إلى الصّين لم تقرأ في الأوساط السياسية باعتبارها مجرد محطة دبلوماسية عادية، بل اعتبرت مؤشّرا على تحولات أعمق في طبيعة العلاقات الدولية وفي رؤية بعض الدول الأوروبية لدورها المستقل في عالم يتجه نحو التعددية القطبية. وقد كشفت ردود الفعل الأمريكية، ولا سيّما تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب، عن حجم التوتر الذي يرافق أي محاولة من الحلفاء التقليديين لواشنطن في انتهاج سياسات خارجية أكثر استقلالية وتوازنا.
ويحظى بيدرو سانشيز بتقدير واسع لدى قطاعات كبيرة من الرأي العام العربي والدولي بسبب مواقفه الواضحة تجاه القضية الفلسطينية، وإدانته المتكررة للانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، ودعوته المستمرة إلى احترام القانون الدولي الإنساني، ورفضه لسياسات الحصار والتجويع والعقاب الجماعي. كما أن مواقفه المنتقدة للهجمات التي تستهدف المدنيين والمتضامنين الدوليين عززت صورته لدى كثيرين باعتباره أحد الأصوات الأوروبية القليلة التي اختارت الانحياز إلى المبادئ القانونية والإنسانية بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.
ومن هذا المنطلق، جاءت زيارته إلى الصين لتؤكد رؤية سياسية تقوم على تنويع الشراكات الدولية والدفاع عن المصالح الوطنية الإسبانية في إطار من الاحترام المتبادل والتعاون الاقتصادي. فالدول ذات السيادة تمتلك الحق الكامل في بناء علاقاتها الخارجية وفق ما تراه مناسبا لمصالحها الاستراتيجية، ما دامت تلتزم بالقانون الدولي ومبادئ العلاقات بين الدول.
أما الانزعاج الذي أبداه ترامب من هذه الزيارة، فقد فسّر من قبل عدد من المراقبين على أنه انعكاس لرؤية تعتبر أن التحالفات التقليدية ينبغي أن تظل منسجمة مع الأولويات الأمريكية، وهو ما يثير نقاشاً متزايداً حول حدود النفوذ الأمريكي وحق الدول الحليفة في اتخاذ قرارات مستقلة تخدم مصالحها الوطنية. وفي المقابل، حرص سانشيز على تقديم موقف يتسم بالهدوء والدبلوماسية، مؤكدا أن السياسة الخارجية الإسبانية تستند إلى احترام الشرعية الدولية، والدفاع عن السلام، وتعزيز التعاون مع مختلف القوى الدولية. كما شدد على أن إقامة علاقات متوازنة مع الصين لا تتعارض مع التزامات إسبانيا الدولية، بل تندرج ضمن حقها السيادي في توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والسياسي بما يحقق مصالح شعبها.
إن جوهر هذا الجدل يتجاوز مجرد زيارة رسمية أو تبادل للتصريحات؛ فهو يعكس صراعا بين رؤيتين للعالم: رؤية تقوم على منطق النفوذ والإملاءات السياسية، ورؤية أخرى تدافع عن استقلال القرار الوطني، واحترام سيادة الدول، والاحتكام إلى القانون الدولي باعتباره الضامن الحقيقي للاستقرار والسلام العالميين. وفي هذا السياق، تبدو مواقف سانشيز بالنسبة لمؤيديه تعبيرا عن إرادة سياسية تسعى إلى الوقوف إلى جانب ما تعتبره العدالة والشرعية الدولية، بينما تكشف ردود الفعل المقابلة عن حجم التباينات المتزايدة داخل النظام الدولي بشأن قضايا الحرب والسلام وحقوق الشعوب.
📲 Partager sur WhatsApp