زكية لعروسي, باريس
في السياسة، لا تسقط الحكومات فجأة كما تسقط الأشجار في العواصف، بل تبدأ أولا بفقدان ظلّها. والظلّ في عالم السلطة ليس ما تصنعه الشمس، بل ما تصنعه الثقة. وحين تبدأ الثقة في الانسحاب بصمت، يصبح المركز الكبير مجرد مبنى، ويصبح رئيس الحكومة رجلا عاديا يجلس وحيدا أمام خرائط النفوذ التي كانت قبل أيام فقط تبدو أبدية. هكذا تبدو قصة كير ستارمر اليوم في بريطانيا. ليست مجرد أزمة زعيم يواجه احتمال الرحيل عن داونينغ ستريت، بل فصل جديد من الرواية الطويلة التي تكتبها الديمقراطيات الغربية وهي تحاول التكيف مع عالم لم يعد يشبه العالم الذي ولدت فيه مؤسساتها السياسية. فالرجل الذي جاء إلى السلطة حاملا وعود الاستقرار والإصلاح يجد نفسه محاصرا بأسئلة الداخل وضغوط الحزب وتململ الرأي العام، بينما تتسارع الأحداث حوله كقطار فقد القدرة على التوقف.
لكن ما يجعل المشهد أكثر إثارة ليس فقط الحديث عن استقالة محتملة، بل الطريقة التي دخل بها دونالد ترامب إلى المسرح. فالرئيس الأمريكي لا يتعامل مع السياسة باعتبارها بروتوكولا دبلوماسيا باردا، بل باعتبارها عرضا عالميا مفتوحا للجمهور. وعندما يتمنى لخصمه أو لحليفه “كل التوفيق” في لحظة ضعف، فإن العبارة تبدو أقل شبها بالمجاملة وأكثر شبها بابتسامة لاعب شطرنج يرى خصمه يقترب من المأزق. في الروايات الروسية العظيمة، لا يكون الصراع الحقيقي بين الأشخاص، بل بين الأوهام والواقع. وهذا بالضبط ما يحدث في الديمقراطيات الحديثة. فالسياسي يصل إلى القمة معتقدا أنه يقود الأحداث، ثم يكتشف لاحقا أن الأحداث نفسها هي التي تقوده. المنصب الذي يبدو من الخارج عرشا مهيبا يتحول من الداخل إلى غرفة مليئة بالساعات التي تدق في اتجاهات مختلفة.
إن الحديث عن احتمال رحيل ستارمر لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تعيشها الديمقراطيات الغربية. الناخب المعاصر لم يعد يمنح الزعماء فترات سماح طويلة. وسائل الإعلام الفورية، ومنصات التواصل الاجتماعي، والاستقطاب السياسي الحاد، كلها جعلت السلطة أكثر هشاشة مما كانت عليه في أي وقت مضى. لقد أصبحت السياسة الحديثة أشبه بالسير فوق جليد رقيق؛ خطوة واحدة خاطئة قد تكون كافية لتغيير المصير. ومن المثير للتأمل أن بريطانيا، التي صدّرت إلى العالم نموذج الاستقرار البرلماني، تجد نفسها اليوم أمام حالة من القلق السياسي المتكرر. وكأن الدولة التي صنعت تقاليد الحكم الهادئ أصبحت هي نفسها مختبرا دائما للتقلبات السياسية. فالتاريخ يعلمنا أن المؤسسات القوية لا تلغي الأزمات، بل تجعلها أكثر تنظيما وأقل فوضوية.

أما ترامب، فهو ظاهرة مختلفة تماما. إنه لا يتحرك داخل السياسة فقط، بل داخل الرموز. يعرف كيف يحول جملة قصيرة إلى حدث إعلامي عالمي. يعرف أن السخرية السياسية قد تكون أحيانا أكثر تأثيرا من الخطب الطويلة. وفي هذا تكمن قوته الحقيقية. فالرجل يفهم أن عصر الصورة انتصر على عصر البيانات، وأن النكتة السياسية قد تسافر أسرع من أي تقرير اقتصادي. لكن وراء هذا المشهد كله تكمن مسألة فلسفية أعمق: لماذا يستمتع البشر بمشاهدة سقوط الأقوياء؟ منذ روما القديمة وحتى يومنا هذا، كانت الجماهير تراقب لحظات الانهيار بنفس الشغف الذي تراقب به لحظات الصعود. ربما لأن الناس يرون في سقوط الزعماء تذكيرا بحقيقة كونية واحدة: لا أحد يملك السلطة إلى الأبد. كانت أمي خيرة تقول: “الشجرة العالية لا تخيف الريح، لكنها أول ما تراه الريح.” ولم أكن أفهم عمق هذه الحكمة إلا عندما قرأت التاريخ. فكلّما ارتفع الإنسان في سلم النفوذ، ازداد تعرضه للعواصف. وليس السؤال إن كانت الرياح ستأتي، بل متى ستأتي.
ومن زاوية أوسع، فإن ما يحدث في بريطانيا يعكس تحوّلا عالميا في مفهوم القيادة. لم يعد الزعيم يحاسب فقط على القرارات التي يتخذها، بل على الصورة التي يمثلها، وعلى قدرته على إقناع جمهور متقلب المزاج ومتخم بالمعلومات ومتشكك في كل شيء. لذلك أصبحت الشرعية السياسية أكثر هشاشة، وأصبح البقاء في السلطة أصعب من الوصول إليها. سواء بقي كير ستارمر في منصبه أو غادره، وسواء كانت تعليقات ترامب مجرد سخرية خفيفة أو رسالة سياسية محسوبة، فإن المشهد يكشف حقيقة أوسع من الرجلين معًا. إنها حقيقة أن السلطة في القرن الحادي والعشرين لم تعد قلعة من الحجر، بل جسرا معلقا فوق بحر من التوقعات المتغيرة. وأن الزعيم الذي يبدو قويا اليوم قد يصبح غدا مادة للتكهنات، بينما يتحول خصمه إلى بطل المشهد التالي. هكذا تستمر الرواية الكبرى للسياسة الإنسانية؛ لا أبطال دائمون فيها، ولا هزائم نهائية، بل فصول متعاقبة يكتبها الطموح والخوف والذاكرة والزمن. والزمن، كما أثبت التاريخ مرارا، هو الكاتب الوحيد الذي لا يخسر أي معركة.
📲 Partager sur WhatsApp