بقلم زكية لعروسي, باريس
كان ظهر الأحد في باريس أشبه بصفحة من رواية روسية طويلة، تلك الروايات التي لا تسير فيها الشخصيات فوق الأرض فقط، بل فوق طبقات التاريخ والذاكرة والأسئلة الوجودية. كانت الشمس تسكب نارها على الأرصفة، لكن آلاف المتظاهرين مضوا في الشوارع وكأنهم لا يواجهون حرارة الطقس وحدها، بل حرارة قضية أقدم من الدول الحديثة نفسها؛ قضية الإنسان حين يقرر أن يصنف إنسانا آخر وفق لون البشرة أو الأصل أو الدين أو الاسم أو الجغرافيا التي ولد فيها. في الظاهر، كانت المسألة تظاهرة سياسية ضد العنصرية واليمين المتطرف. أعلام ترتفع، شعارات تتردد، ووجوه جاءت من أحياء وخلفيات متعددة. لكن في العمق، كان المشهد أكبر من مجرد حدث سياسي عابر. لقد بدا وكأن باريس، المدينة التي لطالما قدمت نفسها باعتبارها عاصمة الكونية الإنسانية، خرجت لتجري حوارا مع أشباحها القديمة.
فالمدن الكبرى ليست أبنية وشوارع فقط؛ إنها كائنات تاريخية تحمل ندوبها تحت الجلد. وباريس تحديدا تعرف جيدا أن تاريخها لم يكن دائما قصيدة للحرية والمساواة والأخوة كما تروي الشعارات الجمهورية. ففي الأزقة نفسها التي تحتضن اليوم مسيرات ضد العنصرية، مرت قبل قرون أفكار الاستعمار والتفوق الثقافي ونظريات التصنيف البشري التي حاولت أن تمنح التمييز لباسا علميا. إن العنصرية ليست مجرد انفعال أخلاقي منحرف، بل هي واحدة من أكثر الأوهام البشرية تعقيدا. إنها محاولة فاشلة لترتيب العالم عبر اختزال الإنسان في علامة خارجية. لون جلد، أو لهجة، أو اسم، أو معتقد. ولذلك كانت دائما ابنة الخوف أكثر من كونها ابنة الكراهية. فالإنسان يخاف ما لا يفهمه، ثم يحوله إلى صورة نمطية، ثم يمنحه ملامح العدو. ومن المفارقات التاريخية أن الحضارات التي مارست التمييز ضد الآخرين كانت غالبا ضحية أشكال أخرى من التمييز في مراحل مختلفة من تاريخها. الحضارات التي قسمت البشر إلى درجات سقطت لاحقا ضحية الانقسامات نفسها. وكأن التاريخ يردد باستمرار حقيقة فلسفية قاسية: كل نظام يقوم على استبعاد الآخر يحمل في داخله بذور سقوطه.

حين ننظر إلى المسيرة الباريسية الأخيرة لا ينبغي أن نقرأها فقط باعتبارها احتجاجا ضد العنصرية، بل باعتبارها تعبيرًا عن قلق أوسع تعيشه الديمقراطيات الغربية. فالعالم يشهد تحولات اقتصادية وهجرات متزايدة وأزمات هوية وصعود خطابات شعبوية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يعود سؤال “من نحن؟” ليصبح أكثر خطورة من أي وقت مضى. الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان كان يرى أن الأمة ليست عرقا ولا دينا ولا لغة فقط، بل هي “استفتاء يومي”. واليوم يبدو أن هذا الاستفتاء يتكرر في الشوارع الأوروبية. هل ستبقى المجتمعات الحديثة وفية لفكرة المواطنة الجامعة؟ أم ستعود إلى منطق الانتماءات الضيقة والخنادق الثقافية؟ الذين ساروا تحت الشمس لم يكونوا جميعا متفقين في السياسة، لكنهم اجتمعوا حول فكرة مركزية: أن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تكون موضوعًا للتفاوض. وهذه الفكرة ليست يسارية ولا يمينية في جوهرها؛ إنها إحدى الركائز الأخلاقية التي قامت عليها الحضارة الحديثة بعد قرون من الحروب والعبوديات والاضطهادات.
ومع ذلك، فإن الذكاء يقتضي الاعتراف بأن مكافحة العنصرية لا تتحقق بالشعارات وحدها. فالعنصرية ليست دائما صرخة في الشارع؛ أحيانًا تكون فرصة عمل لا تمنح، أو مدرسة تفشل في دمج أطفالها، أو حيا يتحول تدريجيا إلى جزيرة معزولة داخل المدينة. لذلك فإن المعركة الحقيقية تبدأ عندما تتحول المبادئ إلى سياسات عادلة ومؤسسات أكثر إنصافا. كانت أمي خيرة تقول: “إذا رأيت الناس يختلفون على لون الثوب، فاعلم أنهم نسوا الإنسان الذي يرتديه.” وكلما تقدمت السنوات أدركت أن هذه الحكمة البسيطة تختصر تاريخًا طويلًا من الأخطاء البشرية. فالإنسانية كثيرًا ما انشغلت بالقشور ونسيت الجوهر.

ولعل أجمل ما في مثل هذه التظاهرات أنها لا تقدم حلولا سحرية، لكنها تمنع الصمت من أن يتحول إلى عادة. فالصمت الطويل هو البيئة المثالية التي تنمو فيها الأفكار المتطرفة. أما النقاش، والاحتجاج، والاختلاف السلمي، فهي كلها علامات على أن المجتمع ما زال حيًا وقادرًا على مراجعة نفسه. وهكذا لم تكن المسيرة مجرد انتقال من حي باربيس إلى ساحة الجمهورية. لقد كانت، على نحو رمزي، رحلة من الخوف إلى الاعتراف، ومن التصنيف إلى المواطنة، ومن ذاكرة الجدران إلى أفق الإنسان. وفي زمن تتسارع فيه الانقسامات والهويات المتصارعة، بدت باريس وكأنها تطرح على نفسها وعلى أوروبا كلها سؤالا قديمًا ومتجددا: هل نستطيع أن نرى الإنسان قبل أن نرى الفئة التي ننسبه إليها؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي سار تحت شمس الأحد، وهو السؤال الذي سيظل مطروحا طويلا بعد أن تطوى اللافتات، وتطفأ مكبرات الصوت، وتعود المدينة إلى صخبها المعتاد.
📲 Partager sur WhatsApp