“البابا الذي نزل من السماء بحذاء “نايك

بقلم زكية لعروسي, باريس

في زمن صار فيه العالم يراقب أحذية الناس أكثر مما يراقب أفكارهم، كان يكفي أن يظهر البابا مرتديا حذاء “نايك” حتى تهتزّ مواقع التواصل كما تهتزّ جمهوريات الموز أمام انقلاب عسكري صغير. البعض ضحك. البعض صُدم. البعض تصرّف وكأن الرجل ظهر داخل الفاتيكان مرتديا قاذفة صواريخ لا حذاء رياضيا أبيض. يا للهول. البابا… يرتدي “سنيكرز”. كأن البشرية اكتشفت فجأة أن للقديسين أقداما. الحقيقة أن المشهد كان أعظم من مجرد لقطة طريفة في وثائقي. كان لحظة فلسفية كاملة، لحظة تسقط فيها المسافة القديمة بين الإنسان والأسطورة. منذ قرون، والبشر يحبون تحويل رجال الدين إلى تماثيل رخامية تمشي ببطء ولا تتعرق ولا تتألم ولا تحتاج إلى أحذية مريحة. يريدون البابا كائنا فوق بيولوجي، نصفه نور ونصفه بخور. لكن ها هو يظهر فجأة…بحذاء “نايك”. ضربة قاسية جدا لصناعة الأوهام.

المثير للسخرية ليس الحذاء نفسه، بل الذعر الثقافي الذي سبّبه. ملايين البشر يعيشون الحروب والجوع والانهيار الاقتصادي، لكن الإنترنت وجد وقتا ليفتح تحقيقا جنائيا عالميا حول نوع الحذاء الذي يرتديه البابا تحت ثوبه الأبيض. الصحافة دخلت المعركة. خبراء الأحذية ظهروا كأنهم محلّلو أسلحة نووية. الناس كبّروا الصورة، حللوا النعل، درسوا الخطوط السوداء، وقارنوا بين موديلات الثمانينيات كما لو أنهم يفككون مخطوطة سرية من العصور الوسطى. وفي النهاية…كانت مجرد “Nike Franchise Low”. يا لهذه النهاية المضادة للدراما. حذاء رياضي قديم، بسيط، شبه منسي، لا يساوي أكثر من عشرين دولارا…نجح في صنع ضجة لم تصنعها خطابات سياسية كاملة. هذا هو العالم الحديث: قداسة كاملة تهتز بسبب حذاء مخفّض السعر.

لكن ربما نحن نظلم الحذاء نفسه. فالأقدام، منذ بداية الحضارات، لم تكن مسألة ثانوية أبدا. الإغريق القدماء كانوا يعتبرون المشي فنّا من فنون التفكير. كان الفلاسفة “المشّاؤون” عند أرسطو يناقشون الحكمة وهم يمشون، لأن العقل – في نظرهم- لا يفكر جيدا حين يتعذب الجسد. وفي بعض النصوص الطبية القديمة المنسوبة إلى أبقراط، نجد إشارات إلى أهمية القدم السليمة في توازن الجسد والمزاج، لأن القدم كانت تعتبر أساس “الهندسة البشرية” كلها. حتى الرومان فهموا باكرا أن الإمبراطوريات لا تُبنى فقط بالسيوف، بل بالأقدام القادرة على قطع الطرق الطويلة دون نزيف

أما العرب، فقد كانت لهم علاقة شبه صوفية بالحذاء. في كتب التراث، كان يقال: “إذا صلح النعل، هان السفر.” وابن خلدون نفسه، في حديثه عن الترف والعمران، كان يرى أن تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة تكشف تحولات الحضارات الكبرى. حتى المتصوفة كانوا ينظرون إلى النعل كرمز للطريق، لا مجرد قطعة جلد. وفي الحكايات الشعبية المغربية، كان الحذاء دائما مرآة لصاحبه: “الرجل من صبّاطو” أي المرء من نعليه. ولم يكن غريبا أن يوصي الحكماء قديما بألا يسخر الإنسان من حذاء غيره، لأن الطرق الوعرة لا يعرف قسوتها إلا من مشاها. لكن البشرية الحديثة، كعادتها، حوّلت حتى الحذاء إلى معركة رمزية.

فهل كان الأمر سياسيا بابويا؟ يبدأ جنون التأويل. في عصر المؤامرة، لا أحد يصدق أن رجلا مسنا قد يختار حذاءه فقط لأن قدميه تؤلمانه. لا بد أن هناك رسالة خفية:

– هل الفاتيكان يغازل الشباب؟

– هل الكنيسة تحاول “تحديث صورتها”؟

– هل هي عملية تسويق سرية؟

– هل نايك أصبحت الراعي الرسمي للخلاص الروحي؟

العالم الحديث لا يحتمل البساطة. لقد فقدنا القدرة على تصديق أن الإنسان قد يرتدي شيئا لأنه… مريح فقط. وربما هنا تكمن المأساة الكبرى: لقد صارت الإنسانية تفسر كل شيء إلا التعب البشري نفسه. ربما البابا، ببساطة، لديه ركبتان تؤلمانه مثل ملايين البشر. ربما قدماه تعبتا من الممرات الطويلة والطقوس والبروتوكولات والأرضيات الرخامية الباردة. وربما فهم، بحكمة الشيوخ المتأخرين، ما عرفه الرعاة والفلاسفة والمسافرون منذ آلاف السنين: أن الحذاء الجيد ليس رفاهية… بل سلام صغير بين الإنسان والطريق. لكن الإنترنت لا يحب هذه الرواية الإنسانية الصغيرة. الإنترنت يريد رموزا، إشارات، معارك، نظريات، وهاشتاغات.

المشهد كله يكشف شيئا أعمق بكثير من الموضة. إنه يكشف أزمة البشرية مع فكرة القداسة نفسها. الناس يريدون من الشخصيات الروحية أن تبقى بعيدة عن الحياة العادية: لا تأكل مثلنا، لا تتعب مثلنا، كأن القداسة تعني أن يتوقف الإنسان عن كونه إنسانا. قديس أرأد أن يكون إنسانة فما العيب في ذلك؟ لكن التاريخ العظيم كان دائما عكس ذلك. أعظم الشخصيات الروحية والفكرية لم تكن آلات سماوية، بل بشرا يحملون هشاشتهم معهم: يتعبون، يمرضون، يرتبكون، ويبحثون عن الراحة مثل الجميع. الفرق فقط أنهم لم يخفوا إنسانيتهم خلف الأقنعة. وربما لهذا بدت صورة البابا بحذاء “نايك” صادمة:
لأنها أعادت رجل الدين إلى الأرض.

هناك شيء سريالي للغاية في التقاء عالمين:

– الفاتيكان، رمز الطقوس القديمة والبخور واللوحات المقدسة،

– و”نايك”، ابنة الرأسمالية الأمريكية السريعة والإعلانات الرياضية وثقافة الشارع.

كأن دوستويفسكي استيقظ ذات صباح ليجد الرهبان يجرون “جوجينغ” في روما. لكن ربما هذا هو شكل العالم الجديد: كل الحدود القديمة تنهار بهدوء. القداسة تلبس أحذية رياضية. والشركات التجارية تقترب من الرموز الروحية. والإنترنت يحوّل كل لحظة بشرية إلى مسرح عالمي. حتى البابا لم يعد يملك حق المشي بصمت. قارئي العزيز, لم تكن الضجة حول الحذاء فعلا. كانت حول فكرة أخطر: ماذا يحدث حين يتصرف الرمز الكبير كبشر عادي؟البشر يحبون الأقفاص الرمزية. يريدون لكل شخصية دورا ثابتا:

– السياسي يجب أن يبدو قويا دائما

– الكاتب يجب أن يبدو معذبا

– الفيلسوف يجب أن يبدو غامضا

– والبابا يجب أن يبدو خارج الزمن

لكن الحقيقة أكثر بساطة وقسوة: كل هؤلاء… لديهم أقدام أيضا. والأقدام، بعكس الأيديولوجيات، لا تؤمن كثيرا بالبروتوكول. إنها تريد فقط حذاء مريحا. ربما لهذا كانت صورة البابا بحذاء “نايك” عظيمة بشكل خفي.لأنها ذكّرت العالم بأن الإنسان يظل إنسانا، حتى تحت أثقل أثواب الرمزية. وأن القداسة الحقيقية قد لا تكون في الحذاء الذي نرتديه…بل في قدرتنا على ألا نخجل من إنسانيتنا داخله.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on ““البابا الذي نزل من السماء بحذاء “نايك

  1. في القرن التاسع عشر عندما كانت فتاوى ضد الصباط تحرمه، المسموح به هو الصباط المخزني فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *