بوتين…يفاوض بالنار ويكتب الجغرافيا بالبارود

بقلم زكية لعروسي, باريس

في كلّ مرة يتحدّث فيها فلاديمير بوتين، يبدو الأمر أشبه بارتجاج جيوسياسيّ يعيد ترتيب خرائط الخوف في العالم. فالرجل الذي خرج من مختبرات الاستخبارات السوفياتية القديمة لا يتكلّم بلغة الدبلوماسية الناعمة التي تزيّن الكلمات بالابتسامات، هو يتكلّم بلغة القيصر الجريح الّذي يرى في انهيار الإمبراطوريات إهانة شخصية، وفي تمدّد الغرب نحو حدود روسيا تهديدا وجوديا لا يمكن التسامح معه.

خلال الساعات الأخيرة، وبينما كانت أوكرانيا تتهم موسكو بمواصلة هجمات الطائرات المسيّرة شرقا وجنوبا، وكانت روسيا تتهم كييف باستهداف منطقة بيلغورود، بدا المشهد كأنّه فصل جديد من حرب خرجت منذ زمن من حدود الجغرافيا، لتتحول إلى معركة فلسفية حول شكل العالم المقبل. إنها ليست حرب دبابات فقط، بل حرب سرديات كبرى: روسيا التي تريد استعادة “هيبة المجال الحيوي”، والغرب الذي يصرّ على تثبيت نظام دوليّ لا يسمح بعودة الإمبراطوريات المسلحة إلى خرائط النفوذ القديمة.

بوتين يعرف جيدا أنّ المعركة لم تعد عسكرية فحسب. إنه يقاتل أيضا داخل الوعي الأوروبي، داخل خوف القارة العجوز من حرب طويلة تستنزف اقتصادها وأعصابها ووحدتها السياسية. ولهذا تبدو تصريحاته دائما محمّلة برسائل مزدوجة: رسائل للداخل الروسي تؤكد أن موسكو ما تزال قادرة على الصمود، ورسائل للخارج مفادها أنّ روسيا ليست دولة يمكن إخضاعها بالعقوبات أو العزل أو الاستنزاف البطيء.

في العمق، لا يتصرّف بوتين كسياسيّ منتخب بقدر ما يتصرّف كوريث نفسيّ لفكرة “روسيا الكبرى”. إنه ابن الجغرافيا الروسية القاسية؛ تلك الجغرافيا التي علّمت حكّام الكرملين عبر القرون أن الأمن لا يصنع بالحدود الحالية، بل بالمناطق العازلة، وبإبقاء النار بعيدة عن موسكو مهما كان الثمن. ومن هنا نفهم لماذا ترى القيادة الروسية في أوكرانيا أكثر من دولة مجاورة؛ تراها جدارا تاريخيا فاصلا بين روسيا والعالم الأطلسي.

لكن المأساة الكبرى تكمن في أن هذه الرؤية تصطدم اليوم بعالم تغيّر جذريا. العالم الذي كان يعترف بمنطق مناطق النفوذ الصلبة بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد موجودا بالصورة نفسها. لقد دخلنا عصرا تدار فيه الحروب ليس فقط بالصواريخ، بل أيضا بالاقتصاد الرقمي، والطاقة، والإعلام، والذكاء الاصطناعي، والتحالفات المرنة. ولهذا فإنّ الحرب الأوكرانية تحولت إلى اختبار هائل لقدرة روسيا على الصمود أمام نظام عالمي تقوده المؤسسات الغربية، وليس فقط الجيوش الغربية.

أما الغرب، فهو بدوره ليس بريئا من حسابات القوة. فالولايات المتحدة وحلفاؤها لا يدافعون عن أوكرانيا فقط بدافع أخلاقي خالص، بل لأن سقوط كييف سيعني بالنسبة لهم انهيارا رمزيا لفكرة الردع الغربي، وفتح الباب أمام قوى دولية أخرى لإعادة رسم الخرائط بالقوة.وسط هذا كله، يبدو العالم وكأنه يقف على حافة تعب حضاريّ هائل. أوروبا تستنزف اقتصاديا، روسيا تنزف بشريا واستراتيجيا أوكرانيا تتحول تدريجيا إلى أرضٍ معلقة بين البطولة والخراب، فيما القوى الكبرى تراقب بصمت بارد كيف يعاد تشكيل النظام الدولي فوق أنقاض المدن والدماء.

بوتين يدرك أن الزمن عنصر حاسم في هذه الحرب. إنه يراهن على إنهاك الغرب، وعلى تصاعد الانقسامات داخل أوروبا وأميركا، وعلى تحوّل الحرب مع الوقت إلى عبء سياسيّ ثقيل على الحكومات الغربية. ولهذا فإنّ كل تصريح يصدر عن الكرملين يبدو كأنه جزء من معركة أعصاب طويلة، لا مجرد تعليق على حدث عسكريّ. لكن السؤال الأخطر الذي يواجه العالم اليوم ليس: من سيربح الحرب؟ بل: أيُّ عالم سيخرج من تحت هذا الركام؟

فحين تتحول أوكرانيا إلى خط تماس مفتوح بين الشرق والغرب، يصبح الكوكب كله مهددا بالعودة إلى منطق الحرب الباردة، ولكن بنسخة أكثر خطورة، لأن اللاعبين هذه المرة يملكون أدوات تدمير أكثر تطورا، وعالما أكثر هشاشة، وشعوبا أكثر خوفا من المستقبل. لهذا لا تبدو تصريحات بوتين مجرد أخبار عاجلة في شريط تلفزيوني. إنها علامات على تصدّع عميق في النظام العالمي نفسه؛ تصدّع يجعل القرن الحادي والعشرين يبدو أقل استقرارا مما حلمت به البشرية بعد سقوط جدار برلين.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *