الجالية المغربية بهولاندا والعنف

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاكن-الدنمارك

ليست أحداث الشغب التي شهدتها بعض المدن الهولندية عقب فوز المنتخب المغربي مجرد رد فعل عابر على نتيجة مباراة في كرة القدم، بل تعكس، في جانب منها، هشاشة في إدارة التوترات الاجتماعية المصاحبة للمناسبات الرياضية الكبرى، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمجتمعات متعددة الهويات والانتماءات. كان من الممكن توقع أن يؤدي فوز أحد المنتخبين، سواء المغرب أو هولندا، إلى خروج الجماهير للاحتفال أو التعبير عن مشاعرها، وهو أمر طبيعي في جميع أنحاء العالم. غير أن ما كان ينبغي الاستعداد له هو كيفية إدارة هذه اللحظات بما يحول دون تحول الفرح أو خيبة الأمل إلى احتكاكات وصدامات. فالرهان الحقيقي لا يكمن في منع الناس من الاحتفال، وإنما في توفير الظروف التي تضمن أن يبقى الاحتفال في إطار احترام القانون والفضاء العام ومشاعر جميع المواطنين.

ولا يمكن عزل هذه الأحداث عن السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع الذي تعيشه عدة دول أوروبية، حيث تشير العديد من الدراسات إلى تنامي الاستقطاب السياسي وتصاعد خطاب الكراهية والعنصرية في بعض الأوساط، إلى جانب شعور قطاعات من الشباب، بمن فيهم بعض المنحدرين من أصول مهاجرة، بالتهميش أو ضعف الاندماج. هذه العوامل لا تفسر وحدها أعمال الشغب، لكنها قد تهيئ بيئة أكثر قابلية لاندلاعها عند وقوع أحداث تستثير المشاعر الجماعية، مثل المنافسات الرياضية الدولية. وفي المقابل، فإن الاحتفال بالفوز لا ينبغي أن يتحول إلى ممارسات تستفز الآخرين أو تمس بالنظام العام، كما أن الهزيمة لا تبرر أي ردود فعل عدوانية. فالروح الرياضية الحقيقية تقوم على احترام المنافس، والقدرة على تقبل نتائج المباريات مهما كانت، باعتبار أن الرياضة فضاء للتنافس الشريف وليست مناسبة لإنتاج الانقسام المجتمعي.

ومن هنا تبرز أهمية الدور الوقائي الذي ينبغي أن تضطلع به مؤسسات المجتمع المدني، والجمعيات الثقافية والرياضية، والأحزاب السياسية، والسلطات المحلية، من خلال إطلاق مبادرات للحوار والتوعية قبل مثل هذه المناسبات، ووضع خطط استباقية للتعامل مع السيناريوهات المحتملة، بدل الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الأحداث. كما أن تعزيز ثقافة المواطنة المشتركة واحترام الاختلاف يبقى أحد أهم أدوات الوقاية من التوترات. ولا يمكن إغفال دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية في غرس قيم المسؤولية واحترام القانون وضبط السلوك أثناء الاحتفالات العامة. فالتربية على المواطنة تبدأ قبل صافرة بداية المباراة، ولا تنتهي بانتهائها. وفي الوقت نفسه، فإن التعامل الأمني مع أعمال الشغب يجب أن يجمع بين الحزم في مواجهة كل من يثبت تورطه في أعمال التخريب أو الاعتداء على الممتلكات والأشخاص، وبين الالتزام الصارم باحترام القانون وحقوق الإنسان، بما يضمن عدم تعميم المسؤولية أو المساس بحقوق أشخاص لم يشاركوا في أعمال العنف. فسيادة القانون تقتضي محاسبة المخالفين، كما تقتضي حماية الأبرياء من أي تجاوز.

إن تكرار مثل هذه الأحداث في بعض المدن الهولندية والبلجيكية والفرنسية التي تضم جاليات كبيرة من أصول مغاربية يدعو إلى التفكير في معالجة الأسباب الاجتماعية والثقافية والسياسية التي قد تسهم في تأجيج التوتر، بدلا من اختزال الظاهرة في نتيجة مباراة لكرة القدم. فالمباريات قد تكون الشرارة، لكنها ليست دائماً السبب الوحيد. أما الحل المستدام، فيكمن في تعزيز الاندماج، وترسيخ ثقافة الحوار، ومحاربة جميع أشكال العنصرية والتمييز، وتشجيع المشاركة المدنية، وبناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع. فالرياضة يفترض أن تكون جسرا للتقارب بين الشعوب، لا سببا لتعميق الانقسامات. وعندما تتحول مباراة إلى مناسبة للعنف، فإن الخاسر الحقيقي لا يكون المنتخب المهزوم، بل قيم التعايش والسلم المجتمعي التي تحتاجها المجتمعات الأوروبية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *