الشارجان عيسى ديوب الذي أنقذ المنتخب المغربي

عبد الله شوكا، كاتب وصحافي – المغرب

ليس المقصود هنا ذلك “الشارجان عيسى” الذي رسخه الفنان المغربي الراحل عبد الإله عاجل في الذاكرة الشعبية، الشخصية الكوميدية التي كانت تدّعي، بطرافة لا تخلو من سخرية، أنها خاضت الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأبلت فيهما البلاء الحسن، حتى غدت، في خيالها الجامح، كابوسًا يطارد الجنود الألمان، ونالت من فرط “بطولاتها” رتبة “شارجان”، بل وحظيت- كما كانت تزعم – بإعجاب أدولف هتلر نفسه. أما “الشارجان عيسى” الذي نقصده اليوم، فهو رجل من طينة أخرى؛ رجل صنع بطولته فوق المستطيل الأخضر، لا في حكايات الخيال، وكتب اسمه بأحرف من صلابة في سجل المدافعين الكبار. إنه الدولي المغربي عيسى ديوب، الذي كان أحد أبرز عناوين المواجهة التاريخية التي جمعت المنتخب الوطني المغربي بنظيره الهولندي.

لقد قدّم عيسى ديوب مباراة تليق بكبار المدافعين؛ صلابة في الالتحامات، وشراسة في افتكاك الكرات، وحضور ذهني وجسدي جعل من الخط الخلفي للأسود حصنا عصيّا على الاختراق. ولم يقتصر عطاؤه على أداء واجبه الدفاعي، بل تجاوز ذلك إلى الإسهام الحاسم في إنقاذ المنتخب الوطني، عندما دوّن هدف التعادل في اللحظات الأخيرة من اللقاء، هدف جاء في توقيت قاتل، وأعاد الأمل، وجنّب الأسود إقصاءً كان سيبدو قاسيًا بالنظر إلى مجريات المباراة، التي فرض خلالها المنتخب المغربي أفضليته وسيطرته على أغلب أطوارها، في مقابل نهج دفاعي غير مألوف من المنتخب الهولندي بقيادة رونالد كومان، وهو خيار أثار استغراب المتابعين ووسائل الإعلام الرياضية.

لقد أحسنت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عندما نجحت في استقطاب عيسى ديوب لحمل قميص المنتخب الوطني. فالمدافع، المنحدر من أب سنغالي وأم مغربية، حسم اختياره بقناعة، مفضلًا تمثيل وطن الأم، ومؤكدًا أن الانتماء ليس مجرد رابطة دم، بل إحساس بالهوية وصدق في الوفاء. ولم يحتج عيسى إلى كثير من الوقت ليثبت قيمة هذا الاختيار؛ فمنذ التحاقه بأسود الأطلس، فرض نفسه بما يمتلكه من شخصية قوية، وانضباط تكتيكي، وقتالية عالية، ليمنح الدفاع المغربي مزيدا من الصلابة والهيبة، ويؤكد أنّه إضافة نوعية لمشروع المنتخب الوطني.

وإذا كانت رتبة “الشارجان” في المخيال الشعبي ترمز إلى الصرامة والانضباط والهيبة، فإن عيسى ديوب جسّد هذه المعاني فوق أرضية الميدان، فكان قائدا في المواقف الصعبة، ومحاربا لا يهادن في الالتحامات، ومدافعا يقاتل عن الشعار الوطني بكل ما أوتي من عزيمة وإصرار. ولذلك، فإن لقب “الشارجان عيسى” لم يعد مجرد استعارة طريفة تستحضر شخصية مسرحية خالدة، بل أصبح وصفا مستحقا لرجل أثبت أن البطولة الحقيقية لا تروى في النوادر، وإنما تكتب بالعرق، وتصنع بالعطاء، وتخلّد في ذاكرة الجماهير.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الشارجان عيسى ديوب الذي أنقذ المنتخب المغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *