بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك
قد أتفق مع القائل إن الحماس وحده لا يصنع التغيير، وقد أتبنى هذه الفكرة عن قناعة راسخة، غير أنني قد أختلف معها من زوايا أخرى؛ ذلك أن الطموح الكامن في أعماق كل إنسان يظل المحرك الأول للإبداع والابتكار وصناعة الأثر. فالرغبة في إثبات الذات وفرض الحضور الإيجابي داخل المحيط الاجتماعي ليست مجرد نزوة عابرة، بل هي تعبير عن حاجة فطرية إلى الخلق والعطاء والمساهمة في صناعة التاريخ، مهما كان نطاق ذلك التأثير محدودًا في البداية. وأنا بطبعي إنسان ميّال إلى التأمل والإنصات أكثر من الميل إلى الضجيج. كثيرًا ما أختار زاوية هادئة في المكان الذي أتواجد فيه، أراقب ما يجري حولي بعين متفحصة، وأغوص في أعماق الأسئلة التي تفرضها إكراهات الحياة اليومية وتحدياتها المتجددة. أراجع الأحداث التي أمر بها، وأحاول أن أستخلص منها الدروس والعبر، إيمانا مني بأن الحياة لا تمنح حكمتها إلا لمن أحسن التأمل في تجاربها وتقلباتها.
ومن خلال تجارب متعددة عشتها في الغربة، أيقنت أن الناس ليسوا سواء في التفكير والإدراك والوعي، كما أنهم ليسوا سواء في درجة تمسكهم بالقيم والمبادئ التي يؤمنون بها. وهذا التفاوت ينعكس بصورة مباشرة على السلوك والتعامل ونمط العيش. فالقيم ليست شعارات تُرفع، بل هي منهج حياة يتجسد في المواقف والاختيارات اليومية. ولعل التربية هي الحاضنة الأولى لهذه القيم. وقد صدق الشاعر حين قال: الأم مدرسة إذا أعددتها……أعددت شعبًا طيب الأعراق. فالأم هي النبع الأول الذي تتشكل منه شخصية الأبناء، وهي التي تغرس في نفوسهم معاني الرحمة والصدق والإحسان والمحبة. فإذا كان عطاؤها خالصًا لله تعالى، وهدفها بناء إنسان صالح ونافع لمجتمعه، فإن ثمار ذلك تظهر عاجلا أو آجلا في صلاح الذرية واستقامة السلوك. أما إذا غابت البوصلة التربوية، أو ضعفت المرجعيات الأخلاقية، فإن آثار ذلك لا تلبث أن تتحول إلى أزمات عميقة تتفاقم مع مرور الزمن. وإذا كانت المجتمعات الإسلامية تعاني من أمراض متعددة، فإن أخطرها ليست الأمراض الجسدية، بل تلك التي تصيب الضمير الأخلاقي والوجدان القيمي. ومن أبرز مظاهرها تنامي ظاهرة العقوق، وضعف الروابط الأسرية، وتراجع ثقافة البر والإحسان إلى الوالدين، فضلًا عن اختلال التوازن في التواصل بين الأبناء ووالديهم. وهي ظواهر باتت تؤرق العديد من الأسر العربية والمسلمة، وتبدو أكثر وضوحًا في مجتمعات المهجر حيث تتزاحم المؤثرات الثقافية والاجتماعية المختلفة.
ولعلني كثيرا ما أفضّل التعبير عن هذه المعاناة بصيغة غير مباشرة، لا تهربا من الحقيقة، بل رغبة في فتح أبواب الحوار وإثارة النقاش الهادف حول القضايا التي تثقل كاهل الأسر المغربية والعربية في الغرب. فالمصارحة المسؤولة هي الخطوة الأولى نحو الفهم، والفهم هو المدخل الحقيقي إلى الإصلاح. إننا اليوم أحوج ما نكون إلى حوار صادق وشجاع، بعيد عن المجاملات والمواقف المسبقة، حوار يلامس واقعنا كما هو، ويناقش التحديات التي تواجه أبناءنا في المجتمعات الغربية. فمسألة تربية الأجيال الناشئة في المهجر، والمحافظة على هويتها الثقافية والدينية، وترسيخ القيم التي نشأنا عليها، أصبحت من أعقد القضايا وأكثرها إلحاحا. ولا سبيل إلى مواجهة هذه التحديات إلا بتجديد الخطاب التربوي، وتعزيز دور الأسرة، وبناء جسور الثقة والتواصل بين الآباء والأبناء. إن المستقبل الذي نرجوه لأبنائنا لن يُصنع بالقلق وحده، ولا بالحنين إلى الماضي فحسب، وإنما يُصنع بالوعي والمسؤولية والعمل المشترك، وبالقدرة على التوفيق بين متطلبات الاندماج الإيجابي في المجتمعات الغربية والتمسك بجوهر القيم التي تشكل هويتنا وخصوصيتنا الحضارية.
📲 Partager sur WhatsApp