ترامب…معلم جغرافي أكثر منه رئيسا

بقلم زكية لعروسي, باريس

هناك رجال يعبرون التاريخ. وهناك رجال يعبر التاريخ من خلالهم. ثم يظهر، بين قرن وآخر، رجل يبدو كأنه لا يمر في التاريخ، بل يدفع التاريخ أمامه كما تدفع العاصفة غيمة لا تعرف إلى أين تتجه. دونالد ترامب واحد من هؤلاء. إنه ليس مجرد رئيس للولايات المتحدة، ولا مجرد ملياردير، ولا مجرد ظاهرة إعلامية. إنه حدث دائم، حتى عندما لا يحدث شيء. يشبه نجماً شديد الكثافة؛ لا يكتفي بجذب الأجسام القريبة منه، بل يحني الزمان السياسي نفسه، فتدور حوله الأخبار، والخصوم، والحلفاء، والأسواق، وحتى الكلمات.

وحين يطلق اسمه على مطار، لا يبدو الأمر مجرد قرار إداري، بل كأن الجغرافيا نفسها تدخل في حملة انتخابية. الأمكنة عادة تحفظ ذاكرة البشر. لكن بعض البشر يغيّرون ذاكرة الأمكنة. ومنذ سنوات، لم يعد اسم ترامب يطلق على الأبراج والفنادق وحدها، بل صار علامة تثير انقسامًا يكاد يوازي الانقسام الذي تحدثه الإيديولوجيات الكبرى. هناك من يراه تجسيدًا لروح القوة الأمريكية، وهناك من يراه رمزا لاستقطاب غير مسبوق. وفي الحالتين، يبقى حاضرا. ولعل هذه هي خصوصيته الكبرى. فهو لا يسمح للحياد بأن يعيش بقربه. كأن شخصيته تعيد إنتاج الحكمة الإغريقية القديمة التي رأت أن الشخصية الاستثنائية تفرض على المدينة أن تعيد تعريف نفسها.

لكن ترامب يذهب أبعد من ذلك؛ فهو يجبر العالم، لا المدينة وحدها، على إعادة ترتيب مفرداته. يشبه في حضوره إحدى الشخصيات الأسطورية التي لا تهزمها السيوف ولا تنتصر عليها الخطب، لأنها تتغذى من الصراع نفسه. كل هجوم عليه يتحول إلى مادة جديدة لبنائه السياسي. وكل إشادة به تصبح وقودا إضافيا لخصومه. إنه يعيش داخل المفارقة كما تعيش الأسماك داخل الماء.

وفي التراث العربي، كان الحكماء يحذرون من السلطان الذي يصبح اسمه أكبر من الدولة، لأن الرموز حين تتمدد قد تبتلع المؤسسات. لكن التاريخ يخبرنا أيضًا أن الأمم تصنع أحيانًا شخصيات تصبح مرآة لعصرها، بكل تناقضاته، لا لأنها كاملة، بل لأنها تكشف ما كان مختبئًا تحت السطح. ترامب يبدو من هذا الصنف. إنه ليس سبب كل ما يحدث في أمريكا، لكنه العدسة التي تكبّر كل شيء. وحين ننظر إليه فلسفيا، نكتشف أن السؤال لم يعد: من هو ترامب؟ بل: ماذا يقول ترامب عن العالم الذي أنجبه؟

لقد كان القرن العشرون قرن المؤسسات. أما القرن الحادي والعشرون، فيبدو أنه يتحول شيئا فشيئا إلى قرن الشخصيات. لقد أصبحت الكاريزما رأسمالا سياسيا لا يقل أهمية عن الأحزاب، وأصبح الاهتمام سلطة مستقلة، وصار الظهور الدائم موردا لا ينضب. في هذا العالم الجديد، لا ينتصر دائمًا من يملك أفضل البرامج، بل من يحتكر مركز المسرح. وهنا تكمن عبقرية الظاهرة. سواء اتفقت مع ترامب أو اختلفت معه، فإنه يفرض نفسه بوصفه موضوعًا للنقاش. إنه يحول السياسة إلى سردية، والانتخابات إلى دراما، والخطاب إلى عرض، والخصومة إلى وقود. حتى خصومه، في كثير من الأحيان، يسهمون في تضخيم حضوره بمجرد استمرارهم في الدوران حوله. ولهذا فإن إطلاق اسمه على مطار في فلوريدا لا يمكن قراءته فقط باعتباره تكريمًا لشخص، بل بوصفه علامة على زمن أصبحت فيه الحدود بين السلطة، والرمزية، والإعلام، والهوية أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فالمطار هو بوابة العبور. وما أغرب أن يصبح اسم رجل بوابة تعبر منها الطائرات كما تعبر منها التأويلات. هل يمثل ترامب أمريكا؟

ربما يمثل جزءا منها. لكن المؤكد أنه يمثل عصرا عالميا يزداد فيه حضور الأفراد الاستثنائيين على حساب السرديات التقليدية، وتتقدم فيه الصورة على المؤسسة، والرمز على البنية، واللحظة على التاريخ. ولعل السؤال الذي سيطرحه المؤرخون بعد عقود لن يكون: لماذا حمل مطار اسم ترامب؟ بل سيكون: كيف استطاع رجل واحد أن يحول اسمه إلى فضاء سياسي وثقافي، حتى غدا مادة للخلاف أكثر مما غدا مجرد اسم؟ إن الشخصيات الكبرى ليست تلك التي تجمع الناس دائما، بل تلك التي تجعل عصرها يعيد التفكير في نفسه. وهكذا، سواء نظر إليه الناس بإعجاب أو بريبة، فإن ترامب لم يعد مجرد فاعل في التاريخ الأمريكي، بل أصبح أحد أكثر مراياه إثارة، تعكس قوة الولايات المتحدة، وانقساماتها، وأحلامها، ومخاوفها، في صورة واحدة لا تزال تتشكل، وربما لن تكتمل إلا بعد أن يغادر أصحابها المسرح بوقت طويل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *