ترامب كإله: تجديف أم عبقرية فوضوية؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

تخيل, قارئي العزيز, لو أن “أبو زيد الهلالي” قرر فجأة أن يمتطي سحابة ويعلن نفسه نبيا، أو لو أن “جحا” وهو في نوبة كبرياء قال للناس: “أنا الذي أشفي المرضى بإذن ربي”. ما كان أحد ليصدقه، لكننا كنا سنضحك. أما اليوم، فرجل يبلغ من العمر 79 ربيعا، يدير أقوى دولة في العالم، ينشر صورة له على هيئة المسيح… وهذه ليست مزحة، بل حقيقة وقعت في أبريل 2026.

المشهد أشبه برواية لـغابرييل غارسيا ماركيز: رئيس أمريكي يهاجم بابا روما ليون الرابع عشر، وصفا إياه بـ”الضعيف أمام الجريمة”، ثم ينشر – في غضب أو عبقرية لحظية – صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي له وهو يشفي مريضا “بالروح القدس”. ثم يحذف الصورة، ويعتذر… على طريقته: يقول إنه كان يعتقد أنها صورة له بصفته طبيبًا تابعًا للصليب الأحمر. نعم. الصليب الأحمر. الرمز العلماني المحايد. كأن أحدنا يرسم قبة الصخرة ثم يقول: “هذا فانوس رمضان”. فهل هذا التجديف مدروس أم نهمة؟

في التراث العربي الشعبي، هناك مقولة تقول: “اللي يده فالما مشي بحال اللي يدو فالنار”. أي أن هناك فرقا بين من يتصرف بدافع السذاجة أو البراءة، وبين من يلعب بالنار عارفا بحرارتها. السؤال الفلسفي هنا: هل فعل ترامب ما فعل عن قصد مدروس، يهدف إلى اختبار حدود مقدساته هو – أي مقدسات قاعدته الانتخابية – أم أن هذه مجرد نهمة… نهمة من لا يكتفي بالسلطة السياسية، بل يريد أن يعبد؟

لنتذكر “نمرود”، ذلك الملك الذي قال: “أنا أحيي وأميت”. لم يكن نمرود أحمقا، بل كان ذكيا بما يكفي ليعرف أن البشر يخافون الموت، وأن من يتحكم بالخوف يتحكم بالقلوب. لكن نمرود سقط عندما تحدى الخالق. ترامب ليس نمرودا، لكنه يلعب في نفس الملعب: ملعب “التطاول المقدس”. لكن هناك فرق جوهري: نمرود كان وثنيا. أما ترامب فيخاطب مسيحيين يؤمنون بأن “لا إله إلا الله” بصيغتها المسيحية. وهنا تكمن الكارثة: حين تنشر صورة لك على هيئة المسيح، فأنت لا تهاجم البابا فقط، بل تهاجم جوهر الإيمان المسيحي: “التجسد” كحدث إلهي فريد. أنت تقول للمسيحيين: “أنا أيضا أستطيع أن أكون المسيح”. وهذا ليس سياسة، هذا مسرح ديني خطر.

نعم، لترامب الحق في نقد البابا. البابا ليس معصوما في السياسة. حتى في الكنيسة الكاثوليكية، عقيدة العصمة البابوية محددة جدا ولا تشمل التصريحات السياسية. كان يمكن لترامب أن يقول: “سياسة البابا تجاه إيران ضعيفة”، أو “موقفه من الهجرة غير واقعي”. هذا نقاش مشروع. لكن ترامب لا يكتفي بالنقد. هو يحوّل الخلاف السياسي إلى حرب وجودية. إنه مثل “عنترة بن شداد” الذي قال: “أنا الذي سمتني أمي بحنظلة”… لكن تخيلوا أن عنترة  قال: “أنا الذي سمتني أمي إلها”. كان سيثير حربا لا هوادة فيها. المشكلة ليست في نقد البابا، بل في تحويل الذات إلى أيقونة منافسة. عندما تنشر صورة لك على هيئة المسيح، فأنت تقول ضمنيا: “البابا يمثل المسيح بطريقة خاطئة، أما أنا فأمثل المسيح الحقيقي”. هذا ليس نقدا، هذا انقلاب ديني. وانشقاق في القاعدة المقدسة.

الجميل في هذه القصة – عذرا قارئي العزيز..أردت قول:أو المأساوي – أن الغاضبين ليسوا ديمقراطيين ولا ليبراليين، بل هم صميم القاعدة “الماجاوية” المسيحية. نفس الذين رفعوا شعار “الله يحمي ترامب” في 2020. نفس الذين رأوا فيه “مسيحا مخلصا من المؤامرات العالمية”. هؤلاء الآن يقولون: “كفى، هذا تجديف”. إنها لحظة “انقلاب الساحر على تلميذه” في الأدب الصوفي. حين يصبح التلميذ مدعيا ما ليس له، يضربه الشيخ بنفس العصا التي كان يباركه بها.

ريلي جاينز، الناشطة المحافظة، قالت: “شيئان مؤكدان: 1) قليل من التواضع لا يضيره، 2) لا نستهين بالله”. هذا النوع من الانتقاد من داخل المعسكر هو الأخطر. لأنه يظهر أن ترامب تجاوز خطا لا يمكن تجاوزه: خط جعل الإله أداة، ثم جعل نفسه الإله. نعود إلى السؤال الأول: هل هذا مدروس أم منبع شخصيته؟ في علم النفس السياسي، هناك ما يسمى “اضطراب الشخصية النرجسية في موقع السلطة”. صاحب هذا الاضطراب لا يرى حدودا بين نفسه والرموز العظمى. هو يرى نفسه كـ”الإسكندر الأكبر”، كـ”نابليون”، كـ”قيصر”. وبمرور الوقت، يصبح “إلها” في مخيلته.

لكن هناك تفسير آخر: ترامب يعرف أن قاعدته تحبه لأنه “يدوس على المقدسات”. لكنه قد لا يعرف أن هناك فرقا بين دوسك على مقدسات الخصوم (كإهانة بايدن أو هيلاري)، وبين دوسك على مقدسات أنصارك.  عندما تنشر صورة لك كالمسيح، فأنت تدوس على قلب المؤمن المسيحي، وليس على علمانيته. في الثقافة العربية نقول: “اللي يلعب مع العجوز يلعب في الحنّة”. أي من يتلاعب بالكبار عليه أن يكون حذرا. ترامب لعب مع أكبر “عجوز” في الثقافة الغربية: الإله المسيحي نفسه. ونسي أن الحنّة قد تحرق يديه.

لو كنا نكتب هذه القصة كرواية، لكان عنوانها: “الرجل الذي ظن نفسه المسيح في عصر الذكاء الاصطناعي”. الرواية تسأل: هل يمكن لسياسي أن يستخدم الدين كورقة دون أن تحترق يده؟ وهل يمكن لجمهور مسيحي أن يظل صامتا عندما يصبح “مخلصهم” هو من يتهمهم بالعبادة الخاطئة؟ الجواب: كما قال المثل الشعبي: “غني حط راسه بالجدار، قالوا ليه انتبه، قال أنا أصلب من الجدار. طلع الجدار أصلب منه”. ترامب ظن نفسه أصلب من الإيمان المسيحي، فإذا بالإيمان المسيحي يرد له الصفعة من داخل بيته.

أما حق ترامب في نقد البابا، فهو حق. لكن الفرق بين الناقد والمتطاول، هو أن الناقد يقول: “أرى خطأ في سياستك”، والمتطاول يقول: “أنا أستحق مكانك عند الله”. وهذه وصفة أكيدة لتحول القائد المهزوز إلى مجرد مهرج في مسرحية إلهية هزلية. يبقى السؤال الأعمق قارئي: هل سنرى في المستقبل قادة ينشرون صورا لهم وهم يرفعون الجبال أو يشقون البحر؟ في عصر الذكاء الاصطناعي، كل شيء ممكن. لكن الأكيد أن الإله الحقيقي – بأي دين كان – لا يحتاج إلى “ترند” على تروث سوشيال ليثبت وجوده. أما ترامب فيبدو أنه بحاجة ماسة إلى “لايك” من فوق.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “ترامب كإله: تجديف أم عبقرية فوضوية؟

  1. نمرود لم يسقط لأنه قوي، بل لأنه تجاوز حدّه وادّعى ما ليس له. والسياسي حين يقترب من هذا الخط—ولو بشكل رمزي أو دعائي فهو يدخل منطقة حساسة جداً، خاصة مع جمهور يرى في العقيدة شيئاً غير قابل للمساومة
    أما Donald Trump، فربما لا يقصد ذلك العمق اللاهوتي، لكنه يدرك قوة الصورة وتأثيرها. المشكلة ليست في النية فقط، بل في التأويل: كيف يفهمها الناس، وكيف يمكن أن تُستعمل لإثارة المشاعر أو الانقسام

  2. لقد أدرك العالم المعاصر قيمة الصورة في مختلف أبعادها البلاغية والرمزية وقدرتها على توليد المخيال واللاشعور. وفي المجمل تترك هذه الصورة حقيقة جنون العظمة، الجنون الذي كتب التاريخ بقوة الحديد والنار: اكبر ما يذكر بذلك حكاية نيرون الذي احرق روما ليقول للعالم أنا العالم. وفي. هذه الحكاية كثير مسجل في ذاكرة التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *