بقلم زكية لعروسي, باريس
ليست كل القضايا الكبرى نزاعات على الأرض، فبعضها يكون في جوهره نزاعا على المعنى. والصحراء المغربية لم تعد منذ زمن مجرد ملف حدود أو قضية جغرافيا سياسية تتنازع حولها المواقف والخرائط والقرارات الأممية، بل أصبحت مرآة تعكس تحولا عميقا في طبيعة الصراع نفسه، وفي الكيفية التي ينظر بها العالم إلى مفاهيم السيادة والاستقرار والتنمية والشرعية. فهناك لحظات في تاريخ الأمم لا تعود فيها الوقائع تنتظر اعتراف الآخرين بها، بل تفرض نفسها باعتبارها حقيقة جديدة على الأرض، وتجبر الجميع على إعادة النظر في المسلمات القديمة. ويبدو أن قضية الصحراء تعيش اليوم إحدى تلك اللحظات النادرة.
على امتداد عقود طويلة ظلت المقاربات التقليدية تحاول حبس الملف داخل قوالب تعود إلى زمن آخر، زمن كانت فيه الشعارات الإيديولوجية أقوى من الحسابات الواقعية، وكانت مفردات الحرب الباردة تتحكم في قراءة كثير من النزاعات الإقليمية. لكن العالم تغير، وتغيرت معه موازين القوى ومصالح الدول وأولويات الشعوب. فما كان يبدو قبل أربعين سنة قضية تصفية استعمار في نظر البعض، أصبح اليوم ملفا مرتبطا بأمن منطقة الساحل والصحراء، وبالاستقرار الإقليمي، وبالطاقة المتجددة، وبالممرات التجارية الدولية، وبالتنافس الجيوسياسي المتصاعد بين القوى الكبرى على القارة الإفريقية.

ولهذا لم يعد غريبا أن نشهد تحولا متزايدا في المواقف الدولية تجاه المبادرة المغربية للحكم الذاتي. فالسياسة الدولية لا تحكمها العواطف ولا الذكريات ولا الحنين إلى الشعارات القديمة. إنها عالم قاس تحكمه المصالح والوقائع والقدرة على تقديم حلول قابلة للحياة. والدول الكبرى عندما تعيد تموقعها لا تفعل ذلك بدافع المجاملة، بل لأنها تقتنع بأن ميزان الواقع يتحرك في اتجاه معين. ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في الخطاب المغربي خلال السنوات الأخيرة أنه انتقل من منطق الدفاع إلى منطق البناء. لم يعد المغرب منشغلا فقط بإثبات مشروعية موقفه، بل أصبح منشغلا بعرض تفاصيل مشروعه. وهذا التحول ليس بسيطا كما قد يبدو. فهناك فرق شاسع بين دولة تقف عند باب التاريخ تطلب الاعتراف، ودولة تدخل إلى التاريخ وهي تحمل تصورا متكاملا للمستقبل.
حين يتحدث المغرب اليوم عن الحكم الذاتي فإنه لا يقدمه باعتباره مخرجا ظرفيا أو تسوية مؤقتة، بل باعتباره تصورا حديثا لممارسة السيادة داخل دولة موحدة. وهو تصور يجد صداه في كثير من التجارب الدولية المعاصرة التي أدركت أن قوة الدول لا تقاس بمدى مركزيتها فقط، بل أيضا بقدرتها على استيعاب الخصوصيات المحلية داخل إطار وطني جامع. ولذلك فإن المبادرة المغربية لا تنطلق من منطق الغلبة، ولا من فلسفة المنتصر والمهزوم، بل من رؤية تسعى إلى التوفيق بين الوحدة والتنوع، بين الانتماء الوطني والتدبير المحلي. غير أن التحول الأهم لا يوجد فقط في الخطاب السياسي أو الدبلوماسي، بل في التحولات العميقة التي تشهدها الأقاليم الجنوبية نفسها. فالتاريخ يعلمنا أن الخرائط لا تتغير بالخطب وحدها، وإنما بالمشاريع أيضا. والواقع أن الصحراء المغربية تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ورش مفتوح للتنمية والاستثمار والبنيات التحتية الكبرى. فالموانئ الجديدة والطرق السريعة ومشاريع الطاقة المتجددة والاستثمارات الضخمة في الاقتصاد الأزرق ليست مجرد أوراش اقتصادية معزولة، بل هي تعبير عن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.
لقد أصبحت الداخلة، التي كانت في المخيال الجغرافي القديم تبدو أقصى الجنوب، أقرب إلى أن تكون بوابة إفريقيا الأطلسية الجديدة. وأصبحت الصحراء فضاء تتقاطع فيه رهانات التجارة العالمية والأمن الإقليمي والطاقة النظيفة والتنمية المستدامة. وهنا تكمن قوة المقاربة المغربية. فهي لا تكتفي بالحديث عن السيادة باعتبارها مفهوما قانونيا أو سياسيا، بل تترجمها إلى مشاريع وطرق وموانئ ومناطق اقتصادية تجعل السيادة واقعا معاشا لا مجرد شعار مرفوع.
ومن يتأمل المشهد الإقليمي يلاحظ أن الرهان أصبح أكبر من نزاع محلي. فالساحل الإفريقي يعيش على وقع تحديات أمنية غير مسبوقة، من الإرهاب إلى الجريمة المنظمة إلى الهجرة غير النظامية. وفي خضم هذه الاضطرابات يبرز الاستقرار باعتباره سلعة نادرة. ولذلك فإن المجتمع الدولي أصبح أكثر حساسية تجاه الحلول الواقعية التي تعزز الأمن والتنمية، وأقل استعدادا للانخراط في أوهام سياسية أثبت الزمن محدوديتها. لقد أدرك المغرب مبكرا أن التنمية ليست ملفا منفصلا عن الأمن، وأن الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية قد يكون في كثير من الأحيان أكثر فعالية من أي مقاربة أخرى. فالمدرسة قد تهزم التطرف أكثر مما تهزمه الشعارات، والميناء قد يغير مصير منطقة بأكملها أكثر مما تفعل سنوات من الخطابات، والطريق المعبد قد يكون أحيانا أقوى أثرا من المتاريس والأسلاك.
لهذا كله يبدو أن النقاش حول الصحراء انتقل فعلا من سؤال الشرعية إلى خطاب الإنجاز. فالشرعية بالنسبة للمغرب لم تعد فقط ما يستند إليه في المحافل الدولية، بل أصبحت أيضا ما ينجزه على الأرض. وبين من يراهن على الماضي ومن يستثمر في المستقبل تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. إن الأمم لا تصنع مكانتها بما تقوله عن نفسها فقط، بل بما تبنيه وتحققه وتتركه شاهدا للأجيال القادمة. والصحراء المغربية اليوم ليست مجرد قضية وطنية بقدر ما أصبحت عنوانا لرؤية استراتيجية متكاملة، عنوانها أن السيادة ليست جدارا يعزل الأوطان عن محيطها، بل مشروع تنمية واستقرار وانفتاح يجعل من الجغرافيا فرصة لصناعة المستقبل. ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو لمن تنتمي الصحراء، لأن المغرب حسم هذا السؤال في وجدانه وفي مؤسساته وفي مشاريعه. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أي مستقبل يمكن أن تصنعه الصحراء للمغرب، وأي مستقبل يستطيع المغرب أن يصنعه من الصحراء؟ هناك بالضبط، في تلك المسافة التي تفصل بين الحلم والإنجاز، تكتب الأمم صفحاتها الكبرى في التاريخ.
📲 Partager sur WhatsApp