الكنيسة: حين يهاجر المقدّس من الحجر إلى السوق

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمة أخبار تمرّ على شاشات العالم كعصافير عابرة. وثمة أخبار أخرى تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في جوفها زلزالا فكريا كاملا. خبر عن كنيسة تحولت إلى حانة. أو مصلى صار فندقا فاخرا. أو كاتدرائية قديمة تستضيف أجهزة الجري وأثقال الحديد. قد يراه البعض خبرا عقاريا. وقد يراه آخرون مجرد إعادة توظيف ذكية لمبنى مهجور. لكن الفيلسوف وحده ربما يسمع في هذا المشهد صوتا آخر. صوت حضارة تعيد التفاوض مع نفسها. وتعيد تعريف ما هو مقدس. وما هو نافع. وما هو قابل للبيع. وما ينبغي أن يبقى خارج السوق.

لنتأمل المشهد للحظة, قارئي الكريم, في المكان نفسه الذي كان الناس يرفعون فيه رؤوسهم نحو السماء، يرفعون اليوم أوزانا حديدية. في المكان الذي كانت فيه الصلوات تصعد، تصعد الآن الموسيقى. في المكان الذي كانت الأجراس تعلن فيه ساعة التأمل، تعلن الشاشات الرقمية عدد السعرات الحرارية المحروقة. ليس الأمر مجرد تغيير وظيفة. بل تغيير لغة كاملة. انتقال من معجم الخلاص إلى معجم الأداء. من الروح إلى الكفاءة. من التأمل إلى الإنتاجية. والسؤال ليس: هل هذا جيد أم سيئ؟ ذلك سؤال أخلاقي ضيق. السؤال الأعمق هو: ماذا يخبرنا هذا التحول عن الإنسان المعاصر؟ كيف انتقلنا من حضارات كانت تبني أعلى مبانيها للآلهة إلى حضارات تبني أعلى مبانيها للشركات؟ كيف انتقلنا من زمن كانت فيه الكاتدرائية أعلى نقطة في المدينة إلى زمن أصبحت فيه الأبراج المالية هي التي تلامس السماء؟ولماذا يبدو هذا التحول طبيعيا إلى هذا الحد؟

في اليونان القديمة كانت المعابد ليست مجرد أماكن عبادة. كانت إعلانا عن رؤية للعالم. وفي الحضارة الإسلامية لم يكن المسجد مجرد فضاء للصلاة. كان مدرسة. ومحكمة. ومكتبة. ومجلسا للعلم. ومركزا لإنتاج المعنى. أما في أوروبا القرون الوسطى، فقد كانت الكنيسة القلب الرمزي للمدينة. كل الطرق تؤدي إليها. وكل الساعات تقاس بها. وكل الحياة تدور حولها. لكن الحضارة الحديثة قامت بثورة هادئة. لم تهدم المقدّس دفعة واحدة. بل استبدلته تدريجيا. هنا نستحضر الفيلسوف الألماني ماكس فيبر الذي تحدث عن “نزع السحر عن العالم”. العالم الحديث، بحسب فيبر، لم يعد يفسر نفسه عبر الأسرار والغيبيات. بل عبر الحساب. والإدارة. والعقلانية. وإذا كان الإنسان القديم يسأل: “ما معنى الحياة؟” فإن الإنسان الحديث صار يسأل أكثر: “ما فائدة هذا؟”

وربما هنا تكمن المأساة الخفية. ليس في تحويل الكنيسة إلى فندق. بل في تحويل كل شيء إلى وظيفة. كل شيء يجب أن يكون مربحا. كل شيء يجب أن يكون منتجا. كل شيء يجب أن يبرر وجوده اقتصاديا. حتى الذاكرة. حتى الجمال. حتى الصمت. بل وحتى الأماكن التي كانت آخر ملاذ للمعنى المجّاني. إن ما يحدث لبعض الكنائس الأوروبية ليس قصة دينية فقط. إنه فصل من قصة أكبر. قصة صعود السوق إلى مرتبة المرجعية العليا. في الماضي كانت الحضارات تسأل رجال الدين: ما الذي ينبغي أن نفعله؟ ثم صارت تسأل الفلاسفة. ثم صارت تسأل العلماء. أما اليوم فهي تسأل المستثمرين. وكأنّ السلطة الرمزية انتقلت عبر القرون من المذبح إلى البورصة. لكن المفارقة أنّ الإنسان لم يتوقف عن البحث عن المقدس. بل غيّر موضوع عبادته. فإذا كانت الحضارات القديمة قد قدّست الآلهة، فإن حضارات اليوم تقدّس أشياء أخرى: السرعة. النجاح. الصورة. الجسد. الشهرة. الأرقام. الخوارزميات. لقد غادر المقدس الكنيسة أحياناً، لكنه لم يغادر الإنسان. لأن الإنسان كائن لا يستطيع العيش طويلاً دون شيء يضعه فوق نفسه.

ولهذا فإن صورة كنيسة تحوّلت إلى ناد رياضي ليست مجرد صورة. إنّها استعارة كونية. فالإنسان المعاصر لم يعد يعد نفسه بالخلاص الأخروي. بل بالخلاص الجسدي. لم يعد يبحث عن النجاة من الخطيئة. بل عن النجاة من الشيخوخة. لم يعد يحج إلى المعبد. بل إلى مراكز اللّياقة والتّنمية الذّاتية. كأن الطقوس بقيت، لكن الآلهة تغيرت. ومع ذلك، فإن قراءة هذا المشهد بوصفه مؤامرة ضد الدين تبقى قراءة فقيرة. التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. فمعظم هذه الكنائس لم تغلق لأن أحداً أراد تدميرها. بل لأن المجتمعات التي بنتها لم تعد تستخدمها بالطريقة نفسها. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: الأبنية بقيت واقفة. لكن العادات التي كانت تمنحها الحياة تراجعت. كأن الحجر عاش أطول من الفكرة.

السؤال الحقيقي إذن ليس عن الكنائس. ولا عن المسيحية. ولا حتى عن أوروبا. السؤال عن مصير الحضارات حين تتغير علاقتها بالمقدّس. ماذا يحدث عندما تفقد المجتمعات لغتها الروحية القديمة؟ هل تستطيع السوق أن تمنح الإنسان معنى؟ هل تستطيع التكنولوجيا أن تعوض الحاجة إلى التأمل؟ هل يستطيع الاستهلاك أن يملأ الفراغ الوجودي؟ وهل يكفي أن نعيش بشكل أفضل حتى نعرف لماذا نعيش؟ ربما لهذا تبدو هذه الكنائس المهجورة أشبه بمرايا ضخمة. لا تعكس مصير الدين فقط. بل تعكس مصير الإنسان الحديث نفسه. إنها تسألنا، بصمت حجارتها القديمة: ما الذي أصبح مقدساً لديكم الآن؟ من الذي يحتل مركز عالمكم الرمزي؟ من الذي يمنح لحياتكم المعنى الأخير؟

، ليست القضية أنّ كنيسة أصبحت حانة. أو أنّ مصلى تحول إلى فندق. القضية أنّ العالم كله يقف اليوم عند مفترق طرق حضاري نادر. بين ذاكرة قديمة كانت ترى السماء فوق السوق. وحاضر جديد يرى السوق فوق كل شيء. وبينهما يقف الإنسان المعاصر، حائرا، ممزّقا، غنيا بالوسائل وفقيرا بالغايات. إنّه يملك من الأدوات أكثر مما امتلك أي جيل قبله. لكنه ما زال يبحث عن الجواب نفسه الذي بحث عنه أسلافه تحت أعمدة المعابد، وفي ظلال المساجد، وبين جدران الكنائس: ما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تعاش؟ وذلك، في النهاية، هو السؤال الذي لا تستطيع أي حانة، ولا أي صالة رياضية، ولا أي سوق عالمية، أن تجيب عنه وحدها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *