الطفولة, مسدس الماء ولغة السلاح ؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمة أشياء صغيرة تكشف عن تحولات الحضارات أكثر مما تكشفه المؤتمرات الدولية وخطب الرؤساء. فبينما ينشغل العالم بعدّ الصواريخ العابرة للقارات، وحساب مدى الطائرات المسيّرة، وتقدير احتمالات الحروب المقبلة، يحدث في زاوية هادئة من الأسواق حدث يبدو تافها للوهلة الأولى: مسدس الماء يتخلى تدريجيا عن ملامح المسدس. قد يبدو الأمر مجرد تفصيل في صناعة الألعاب، لكنه في الحقيقة نافذة مدهشة على التحولات النفسية والثقافية والسياسية التي تعيشها المجتمعات المعاصرة. فلسنوات طويلة، وربما لقرون رمزية كاملة، كانت البشرية تعلّم أبناءها اللعب بالحرب قبل أن تعلّمهم التفكير في السلام. كان الطفل يحمل قوسا خشبيا صغيرا، ثم بندقية بلاستيكية، ثم مسدس ماء يشبه مسدسا حقيقيا. كانت اللعبة، في جوهرها، تدريبا مخففا على عالم الكبار. لكن شيئا ما تغيّر. لم يعد الاعتراض موجها ضد الماء. بل ضد شكل الوعاء الذي يحمله. لم يعد الخوف من البلل. بل من الرمز.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية. فالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو كان يقول إن السلطة لا تعيش فقط في المؤسسات، بل في الرموز واللغة والإشارات اليومية التي تبدو عادية جدا حتى نتوقف فجأة عن قبولها. وما يحدث اليوم مع مسدسات الماء هو تمرد هادئ على إحدى أقدم لغات الحضارة: لغة السلاح بوصفها استعارة للبطولة. لقد اكتشف الآباء والأمهات أن المشكلة ليست في رش الماء على الأصدقاء، بل في أن الطفل يتعلم منذ سنواته الأولى أن المتعة تمر عبر الزناد. وكأنّ الإنسانية بدأت أخيرا تسأل نفسها سؤالا غريبا: لماذا ينبغي لكل لعبة مطاردة أن تشبه معركة؟ ولماذا يجب أن يتعلم الطفل التصويب قبل أن يتعلم التخيل؟

إنّ الأمر لا يتعلق بالأخلاق وحدها، بل بتحول أعمق في الحساسية الجماعية. فالقرن العشرون كان قرن الحروب الكبرى. أما القرن الحادي والعشرون فيعيش مفارقة مذهلة: لم تختف الحروب، لكنها أصبحت مرئية أكثر من أي وقت مضى. لم يعد الموت يأتي في نشرات الأخبار بعد أيام. بل يصل مباشرة إلى الهاتف المحمول. لم يعد الطفل يرى الحرب في كتب التاريخ فقط. بل يراها مصورة، عالية الدقة، ومصحوبة بالموسيقى والتعليقات والتحليلات. ولهذا أصبحت المجتمعات الغربية، خصوصا، أكثر ارتباكا تجاه رمزية السلاح. إنها لا تزال تنتج الأسلحة وتبيعها وتخوض الحروب أحيانا، لكنها في الوقت نفسه أصبحت أقل استعدادا لرؤية هذه الرموز في غرف الأطفال.

يا لها من مفارقة حضارية مذهلة. كأن العالم يريد الاحتفاظ بالمطرقة، لكنه لا يريد أن يراها على الطاولة. الجاحظ كان سيضحك, وسيكتب فصلا طويلا عن قوم يرفضون شكل المسدس المائي بينما يعيشون في عالم تراقبه الأقمار الصناعية العسكرية. وسيقول إن الإنسان مخلوق بارع في تجميل تناقضاته. أما أبو العلاء المعري فربما كان أكثر قسوة. كان سيتساءل إن كنا نغيّر الأشياء فعلا أم نغيّر أسماءها فقط. فهل اختفى السلاح من اللعبة؟ أم أنه ارتدى قناع سمكة قرش زرقاء وأجنحة كرتونية وألوانا وردية؟

هذا السؤال ليس ساخرا كما يبدو. لأن التحول الحالي يكشف شيئا بالغ الأهمية: لم تعد الشركات تبيع وظيفة اللعبة فقط، بل تبيع سرديتها. في الماضي كان المنتج يقول للطفل: “أنت جندي.” أما اليوم فيقول له: “أنت بطل خيالي.” “أنت مستكشف.” “أنت شخصية من عالم ديزني.” “أنت لاعب في عالم فورتنايت.” إننا نشهد انتقالا من الحرب بوصفها خيالا مركزيا إلى الخيال بوصفه بديلا للحرب. وهذا تحول ثقافي هائل. لكن هل هو حقيقي؟ هنا يجب أن نتوقف قليلا. ففورتنايت نفسها قائمة على المنافسة والقتال. وكثير من ألعاب الفيديو الحديثة لا تلغي الصراع، بل تعيد ترميزه. إنها لا تحذف المعركة. بل تجعلها أكثر بهجة. وأكثر ألوانا. وأقل شعورا بالذنب.

ولهذا فإن مسدس الماء الجديد يشبه عصرنا أكثر مما نتصور. إنه ليس سلاحا. وليس غير سلاح. إنه شيء ثالث. رمز تم تلميعه وتسويقه وإعادة تصميمه ليصبح مقبولا أخلاقيا وجذابا تجاريا في آن واحد. وكما كانت أمي خيرة تقول حين ترى أحد الجيران يغير ثيابه بعد خصام طويل: “الذئب إذا لبس صوفا لا يصير خروفا، لكنه قد ينجح في التقاط صورة أجمل.” كانت تقصد النّاس، لكنها ربما كانت تصف التسويق الحديث. فالشركات لا تبيع الماء. ولا تبيع البلاستيك. إنها تبيع الطمأنينة للوالدين. وتبيع الخيال للأطفال. وتبيع الشعور بالتقدم الأخلاقي للمجتمع.

إنها عملية معقدة للغاية. وربما لهذا السبب يبدو مسدس الماء المعاصر أشبه بوثيقة فلسفية منه بلعبة صيفية. إنه يخبرنا أن المجتمعات الحديثة لم تعد تثق بسهولة بالرموز التي صنعتها بنفسها. لقد بدأت تخشى الكلمات أكثر من الأشياء. والأشكال أكثر من الوظائف. والصور أكثر من الوقائع. ففي عالم تمتلئ شاشاته بالحروب الحقيقية، لم يعد مقبولا أن يبدو الماء كالرصاص. لكن السؤال الذي سيظل معلقا فوق حدائق الصيف والمسابح والشواطئ هو: هل نجحت الإنسانية حقا في إخراج السلاح من خيال الطفل؟ أم أنها اكتفت بتغيير لون السلاح وإعطائه اسماً أكثر لطفا؟ ربما لا يملك أحد الجواب. لكن المؤكد أن مسدس الماء الصغير، وهو يخلع بزته العسكرية ويرتدي أزياء الكائنات الخرافية والأبطال الكرتونيين، يكشف لنا حقيقة عميقة عن عصرنا: لسنا أقل افتتانا بالقوة مما كان أسلافنا. نحن فقط أصبحنا أكثر براعة في إخفائها داخل الألعاب.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *