السّردين والحلم في زمن العولمة الجائعة؟

بقلم زكية لعرروسي, باريس

ثمة أسماك لا تسبح في البحر فقط، بل تسبح أيضا في الذاكرة. والسّردين واحد من تلك الكائنات الصغيرة التي لا يمكن قياس قيمتها بميزان السوق وحده، لأنه ينتمي إلى اقتصاد آخر لا تدرسه الجامعات ولا تحسبه البورصات: اقتصاد الحنين. حين قرأت أن السردين عاد نجما في شوارع مرسيليا، وأن المطاعم الجديدة تتنافس على تقديمه في علب أنيقة وأوراق ملونة وأساليب “ستريت فود” عصرية، لم أفكر في البحر الأبيض المتوسط، بل عدت فجأة إلى أزقة مغربية بعيدة، حيث كان المساء ينزل بهدوء على البيوت البسيطة، ويكفي خبز دافئ، وقليل من الزيتون، وبعض السردين المشوي فوق جمر متواضع، كي يشعر الإنسان أنه يملك الدنيا كلها.

كان الفقراء آنذاك فقراء في الجيب فقط. أما اليوم فكثيرون أصبحوا فقراء في الروح أيضا. هناك فرق شاسع بين الفقر والبؤس. الفقر كان حالة اقتصادية. أما البؤس فهو شعور حضاري. في الماضي، كان السردين صديق العامل والفلاح والمسافر وعابر السبيل. لم يكن يحتاج إلى شهادة جامعية كي يؤكل. ولم يكن يحتاج إلى صورة على إنستغرام كي يكون لذيذا. كان يصل إلى المعدة مباشرة دون المرور عبر قسم التسويق. كانت الحياة أقل ثراء، لكنها كانت أقل تعقيدا أيضا. وكما كانت أمي خيرة تقول وهي تضع طبق الزيتون إلى جانب الخبز الساخن: “اللقمة التي تعرف طريقها إلى القلب لا تضيع في الطريق إلى البطن.” ولم أكن أفهم يومها أن تلك المرأة البسيطة كانت تختصر في جملة واحدة ما سيكتبه علماء الاجتماع بعد عقود كاملة عن العلاقة بين الطعام والمعنى.

فالغذاء لم يكن مجرد سعرات حرارية. كان لغة. وكان طقسا. وكان إعلانا يوميا عن الانتماء إلى عالم ما زال يؤمن بأن الكفاية أجمل من الإفراط. ثم جاءت العولمة. ولم تأت وحدها. جاءت معها جيوش من العلامات التجارية، وسلاسل المطاعم، وخبراء التغذية، ومؤثرو الطعام، ومليارات الصور التي جعلت الإنسان يقضي وقتاً أطول في تصوير وجبته من تناولها. فحدث شيء غريب. كلما ازدادت وفرة الطعام، تناقصت الطمأنينة حوله. كلما ازدادت الخيارات، ازداد القلق. كلما تنوعت الأطباق، اختفى الطعم القديم للحياة. كان الجاحظ سيضحك من هذا المشهد. سيكتب عن قوم يملكون مئات الأصناف من الطعام لكنهم عاجزون عن الشعور بالشبع.

أما علماء الاجتماع مثل بيير بورديو فكانوا سيجدون في السردين المعاصر درسا كاملا عن تحولات الطبقات. فالأطعمة الفقيرة تملك عادة مصيرا عجيبا. في البداية يحتقرها الأغنياء. ثم يكتشفها الطهاة. ثم تتحول إلى موضة. ثم تصبح أغلى من الطعام الذي كان الأغنياء يأكلونه أصلا. وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة تكاد تكون كوميدية. السردين الذي كان طعاما للفقراء صار يقدَّم أحيانا بأسعار تجعل الفقير نفسه يتردد قبل شرائه. إنها ليست قصة سمكة. إنها قصة العالم. العالم الذي حوّل البساطة إلى منتج فاخر. والفطرة إلى علامة تجارية. والذاكرة إلى تجربة استهلاكية.

في مرسيليا، كما في الدار البيضاء وطنجة وآسفي والصويرة والحسيمة، لا يمثل السردين مجرد غذاء. إنه جزء من الجغرافيا العاطفية للمتوسط. إنه ابن البحر الذي كان دائما ديمقراطيا أكثر من البر. البحر لا يسأل الصياد عن طبقته الاجتماعية. ولا عن رصيده البنكي. ولا عن عدد متابعيه على وسائل التواصل. يعطي الجميع الرائحة نفسها. والملح نفسه. والجوع نفسه. ولهذا يحمل السردين شيئاً من العدالة القديمة التي بدأت تختفي من العالم. لكن حتى هذه العدالة أصبحت مهددة. فالمناخ يتغير. والبحر يسخن. وأحجام الأسماك تتقلص. والتكلفة ترتفع. وكأن الطبيعة نفسها بدأت ترسل فواتيرها المتأخرة للبشرية.

لقد اعتقد الإنسان الحديث أنه يستطيع أن يستهلك بلا حدود. ثم اكتشف أن البحر أيضا له حدود. وأن السمكة الصغيرة التي كانت رمز الوفرة الشعبية أصبحت شاهدا على هشاشة التوازن البيئي. هنا يتحول السردين إلى فيلسوف صامت. يذكّرنا بأنّ الحضارات لا تنهار فقط بالحروب. أحيانا تنهار عندما تصبح الوجبة التي كانت تجمع الجميع امتيازا للبعض. وعندما يضطر الفقير إلى مشاهدة أطباقه القديمة معروضة خلف زجاج المطاعم كما يشاهد السائح آثار حضارة منقرضة. وأتذكر مرة أخرى أمي خيرة وهي تقول: “إذا صار الخبز حلما، فالمشكلة ليست في القمح.” كم تبدو هذه الحكمة أكبر من المطبخ. وأكبر من الاقتصاد. وأكبر حتى من السياسة. فنحن نعيش زمنا لم يعد فيه الخوف الأكبر هو الجوع وحده. بل فقدان البساطة نفسها. فالعالم الذي يصنع الصواريخ الأسرع في التاريخ يبدو عاجزا عن حماية الأشياء الصغيرة التي جعلت الحياة محتملة. خبز ساخن. زيتون. وسردين مشوي على نار هادئة. ولعل السؤال الحقيقي ليس لماذا عاد السردين إلى الموضة. بل لماذا أصبحنا نشتاق إلى زمن لم يكن فيه بحاجة إلى أن يكون موضة أصلا.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “السّردين والحلم في زمن العولمة الجائعة؟

  1. ذاكرة كثير من مدن المغرب البحرية تحافظ على فنون طبخ مواد البحر، للتمثيل أذكر الحسيمة ووالعراءش تم المحمدية وعروسة المحيط آسفي وصويرة، بحيث لازال تقليد شواء السردين على الفحم إلى الآن. غير أن الملفت هو الغلاء الذي عرفته غلة الابيض المتوسط والبحر المحيط في السنوات الأخيرة. وهي مفارقة تديعيشها بلد ببحرين!!!! لم يعد السردين معيار للتمييز بين الطبقات الاجتماعية، لأن المشكلة ليست في الغلة، بل في ” تفراقشيت”: بحران بكيلومترات تفوق الألف بكثير وديموغرافيا لا تبلغ الأربعين مليونا، ولا يستطيع المغربي أكل سمكه/ غلة لبلاد!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *