المدرسة وإنقاذ الصحة العقلية للشباب؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في زمن تتسارع فيه التكنولوجيا أكثر مما تتسع له النفس البشرية، لم تعد الصحة العقلية للشباب قضية طبية محضة، بل أصبحت سؤالا حضاريا يتعلق بمستقبل الأمم نفسها. فالأوطانهي التي تستطيع حماية التوازن النفسي لأجيالها الصاعدة. ومن هنا تبدو المبادرة التي أعلنتها وزيرة الصحة الفرنسية ستيفاني ريست، والقاضية بتمكين التلاميذ والطلاب الذين يتم رصد معاناتهم النفسية داخل المؤسسات التعليمية من الحصول على موعد لدى مختص نفسي أو طبيب نفسي خلال 24 إلى 48 ساعة، أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنها محاولة لإعادة تعريف وظيفة المدرسة في القرن الحادي والعشرين. غير أن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام لا يكمن في فرنسا وحدها، بل في الضفة الجنوبية للمتوسط أيضا: هل يمكن للمغرب أن يستلهم مثل هذا النموذج؟ وهل تكفي سرعة الإحالة إلى المختصين لعلاج أزمة أعمق تمتد جذورها إلى بنية المجتمع والتعليم والاقتصاد والثقافة؟

لم يعد الحديث عن الاكتئاب والقلق واضطرابات الهوية والانطواء الاجتماعي موضة مستوردة من المجتمعات الغربية. فالدراسات الدولية المتراكمة منذ جائحة كوفيد-19 تشير إلى تصاعد غير مسبوق في مؤشرات الهشاشة النفسية لدى الشباب. لقد دخل العالم مرحلة جديدة أصبح فيها الضغط النفسي جزءا من الحياة اليومية للتلاميذ والطلبة. في فرنسا، تناقش الصحة العقلية اليوم باعتبارها “قضية وطنية كبرى”، ليس فقط بسبب ارتفاع حالات المعاناة النفسية بين الشباب، بل لأن الدولة بدأت تدرك الكلفة الاقتصادية والاجتماعية الباهظة لتجاهل هذه الظاهرة. ولذلك جاء اقتراح توفير مواعيد عاجلة للتلاميذ الذين يتم اكتشاف مؤشرات اضطراب لديهم داخل المدرسة، انطلاقا من فكرة بسيطة لكنها عميقة: كل تأخّر في التدخّل قد يحول أزمة قابلة للعلاج إلى مأساة طويلة الأمد.

أما في المغرب، فإن الصورة أكثر تعقيدا وأقلّ وضوحا. فالمعاناة النفسية موجودة بلا شك، لكنها غالبا ما تظل مختبئة خلف الصمت الاجتماعي. التلميذ الذي يعاني القلق قد يوصف بأنه “كسول”، والطالب المكتئب قد يتهم بضعف الإرادة، والشاب الذي يحتاج إلى مساعدة نفسية قد يجد نفسه في مواجهة وصمة اجتماعية أقسى من المرض نفسه. هنا يكمن الفرق الجوهري بين التجربتين: فرنسا تناقش كيفية تحسين منظومة الرعاية النفسية، بينما لا يزال المغرب في كثير من الحالات يناقش شرعية الحديث عن الصحة النفسية أصلا. يحمل المشروع الفرنسي تصوّرا جديدا لدور المؤسّسة التعليميّة. فالمدرسة لم تعد مجرد مكان لتلقين المعرفة، بل أصبحت نقطة مراقبة إنسانيّة قادرة على اكتشاف العلامات الأولى للاضطرابات النفسيّة. الفكرة تقوم على إشراك الأطباء المدرسيين والممرّضين والأساتذة في عملية الرصد المبكر، بحيث لا ينتظر النظام التربوي وصول الشاب إلى مرحلة الانهيار، بل يتدخل منذ ظهور المؤشرات الأولى. هذه المقاربة تستند إلى حقيقة علمية أثبتتها الأبحاث النفسيّة مرارا: التدخل المبكر يرفع فرص العلاج ويقلّل احتمالات الدخول في مسارات مرضيّة أكثر خطورة. لكن حتى داخل فرنسا نفسها، لا يخلو المشروع من الانتقادات. فقد حذّر مختصون ونقابات مهنية من أنّ نجاح الفكرة يصطدم بنقص الأطباء المدرسيين وأطباء الطبّ النّفسي، وهو ما قد يجعل الوعود الطموحة أكبر من الإمكانات المتاحة. بمعنى آخر، ليست المشكلة في الفكرة، بل في القدرة على تحويلها إلى واقع.

إذا كان التلميذ الفرنسي يواجه ضغط الأداء الأكاديمي والانعزال الرقمي، فإن نظيره المغربي يعيش طبقات إضافية من الضغوط. هناك الفوارق الاجتماعية الحادة، والاكتظاظ داخل الأقسام، وصعوبة الولوج إلى التّعليم العالي، والقلق المرتبط بسوق الشغل، وتراجع الثقة في الحراك الاجتماعي. ويضاف إلى ذلك ضعف خدمات الدعم النفسي داخل المؤسسات التعليمية. في عدد كبير من المدارس المغربية، لا يوجد أخصائي نفسي واحد. وفي العديد من الجامعات، يبقى التّأطير النفسي محدودا مقارنة بالحاجة الفعلية. وهكذا يتحول التّلميذ أو الطّالب إلى شخص مطالب بمواجهة أزماته الداخلية منفردا. إنّ الشباب المغربي يعيش اليوم في فضاء رقمي عالمي يجعله يتعرّض للمقارنات المستمرة والصوّر المثالية والضغوط النفسية نفسها التي يعيشها أقرانه في أوروبا، لكنه لا يستفيد بالقدر ذاته من شبكات الدعم النّفسي والمؤسساتي.

الجواب المختصر هو: نعم، ولكن بشروط. فاستنساخ السياسات العامة دون استنساخ شروط نجاحها يؤدي غالبا إلى نتائج عكسية. لا يكفي أن يعلن المغرب عن مواعيد عاجلة لدى الأخصائيين النفسيين إذا كان عدد هؤلاء الأخصائيين أصلا غير كاف لتغطية الطّلب. قبل الحديث عن “ممرّات سريعة” نحو العلاج النفسي، يحتاج المغرب إلى بناء الطّريق نفسه. ويتطلب ذلك:

– تعزيز تكوين الأطباء النفسيين وأخصائيي الصّحة النفسية.

– إدماج وحدات للدّعم النفسي داخل المدارس والجامعات.

– تكوين الأساتذة والإداريين على اكتشاف المؤشرات المبكّرة للاضطرابات النفسية.

– إطلاق حملات وطنيّة لمحاربة الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية.

– تطوير خدمات الاستشارة النفسية الرقمية منخفضة التّكلفة.

فإذا كانت فرنسا تبحث عن تقليص زمن الانتظار من أسابيع إلى يومين، فإن التّحدي المغربي يبدأ أحيانا من توفير إمكانية الوصول إلى المختص من الأصل. ما الذي يحتاجه المغرب حقّا؟ ربّما لا يحتاج المغرب إلى نسخة مطابقة للتجربة الفرنسيّة، بل إلى نموذج مغربي خاص يستلهم روحها. فالرهان الحقيقي ليس في عدد الأيام التي تفصل بين التشخيص والموعد الطبي، بل في بناء ثقافة وطنية جديدة تعتبر الصحة النفسية حقا أساسيا مثل التعليم والرعاية الصحية الجسدية. إن المدرسة المغربية مطالبة اليوم بأن تتحول من فضاء لتقييم المعارف فقط إلى فضاء لفهم الإنسان. فالطّفل الذي يعجز عن التركيز قد لا يكون ضعيف الذكاء، بل مثقلا بالقلق. والطّالب الذي يتراجع مستواه قد لا يكون مهملا، بل غارقا في اكتئاب لا يراه أحد.

إن أعظم ما في المبادرة الفرنسيّة ليس بعدها الصّحي، بل بعدها الفلسفي. فهي تعكس اعتراف الدّولة بأن الألم النفسي ليس شأنا فرديا خاصا، بل مسؤولية جماعية. أما المغرب، فإن الفرصة لا تزال قائمة أمامه لفتح ورش وطني حقيقي حول الصحة العقلية للشباب. فالمجتمعات الحديثة لا تنتظر انفجار الأزمات كي تتحرك، بل تبني أنظمة قادرة على التقاط الشرارة الأولى قبل أن تتحول إلى حريق. وفي عالم تتزايد فيه التحديات النفسية بوتيرة أسرع من أيّ وقت مضى، قد يصبح السؤال الحاسم أمام الدّول ليس: كم عدد المدارس التي شيّدناها؟ بل: كم شابّا أنقذنا من السقوط في العزلة واليأس؟ ذلك أن بناء الإنسان يظل، أرفع أشكال التنمية وأبقاها أثرا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *