عودة الحجّاج…كم روحا عادت مختلفة حقا؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في كل موسم حج، لا تعود الطائرات محمّلة بالبشر فقط، بل تعود محمّلة بأسئلة أكبر من حقائب المسافرين. أسئلة لا تراها أجهزة التفتيش، ولا تختم على جوازات السفر، لكنها تتسلل إلى الوجدان مثل ريح خفية قادمة من صحراء بعيدة. وحين قرأت أخبار عودة الحجاج من مكة، لم أتوقف عند مشهد الزغاريد ولا عند الدموع المنسكبة على أرصفة المطارات. ما استوقفني حقا هو ذلك السؤال القديم الذي يطارد البشرية منذ أن رفع الإنسان رأسه نحو السماء لأول مرة: هل يغادر الإنسان إلى الحج أم يغادر الحج إلى الإنسان؟ وهل تكفي رحلة جغرافية إلى الأرض المقدسة لكي تحدث هجرة داخلية من ظلمات النّفس إلى نور القلب؟

في زمننا هذا، لم يعد الحجّ مجرّد عبادة؛ لقد أصبح مرآة هائلة تعكس تناقضات المجتمعات الحديثة. هناك من يذهب إلى مكّة حاملا قلبا مكسورا يبحث عن الله. وهناك من يذهب حاملا ملفّا ثقيلا من الذّنوب كأنّه يتعامل مع مؤسسة إدارية كبرى تمنحه شهادة إبراء نهائيّة. وكأنّ البعض يتصور أن السّماء مكتب أرشيف تودّع فيه الخطايا ثمّ تمحى بختم موسمي. لكنّ الله، في جوهر المعنى الرّوحي، ليس موظّفا في إدارة الغفران. إنّه سبحانه ينظر إلى التّحولات العميقة التي تحدّث في الإنسان، لا إلى عدد الكيلومترات التي قطعها. وهنا تبدأ المعضلة الكبرى. كم من حاجّ عاد من مكّة وهو يحمل ماء زمزم في حقائبه، لكنّه نسي أن يحمل الرّحمة في قلبه؟ كم من حاجّ قبّل الحجر الأسود بينما كانت أمّه تبكي وحيدة في بيت مهجور؟ كم من حاجّ سعى بين الصّفا والمروة لكنّه لم يسعَ يوما لإصلاح قطيعة بين أخ وأخيه؟ كم من حاجّ وقف بعرفة ساعات طويلة لكنّه لم يقف دقيقة واحدة مع ضميره؟

هذه ليست أسئلة فقهيّة. إنّها أسئلة وجودية. لأنّ المأساة الكبرى في عصرنا ليست في غياب الدّين، بل في تضخّم المظاهر الدّينية مقابل انكماش جوهرها. لقد تحوّل الدّين أحيانا إلى مشهد. والحجّ إلى صورة. والتقوى إلى إعلان اجتماعي. والورع إلى رأسمال رمزي تتنافس عليه العائلات والجماعات. في بعض البيئات، لا يعود الحاج فقط حاملا لقب “الحاجّ”، بل يعود حاملا مكانة اجتماعية جديدة، كأن الرّحلة السّماوية أصبحت أيضا استثمارا أرضيا في الهيبة والاعتبار. وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات العصر. كلّما ازدادت تكلفة الحجّ المادية، ازدادت المخاطر الرمزية المحيطة به. فالحجّ الذي شُرّع ليجرّد الإنسان من امتيازاته، أصبح أحيانا مجالا جديدا لإبراز الامتيازات.

في مكة، يرتدي الجميع الإحرام ذاته. لكن خارج مكة يعود العالم إلى طبقاته القديمة. الأغنياء إلى قصورهم. والفقراء إلى ديونهم. والبعض إلى خصوماته. والبعض إلى قسوته. والبعض إلى جشعه. كأنّ الرحلة كانت استراحة قصيرة للرّوح قبل استئناف الحياة القديمة. في الأسر المغربية تحديدا، تظهر هذه المفارقة بصورة أكثر إيلاما. نجد أحيانا أبا يدّخر سنوات طويلة لأداء الحجّ، لكنه لا يدّخر الوقت للجلوس مع أبنائه. ونجد أمّا تحلم بزيارة الكعبة بينما أختها لم تسمع صوتها منذ أعوام بسبب نزاع على إرث أو كلمة. ونجد إخوة يتخاصمون على متر أرض ثم يجتمعون عند توديع الحاجّ بالدّعوات والدّموع. كأننا نبحث عن الله في البعيد بينما نغفل عنه في القريب. مع أن جوهر الرّسالات السّماوية كان دائما يبدأ من الأقرب. من الأمّ. من الأب. من الجار. من اليتيم. من صلة الرّحم. من كسر كبرياء النفس. من ردّ المظالم. من الرحمة.

في التراث الروحي العميق، ليست المشكلة أن الإنسان يذهب إلى الحج. المشكلة أن يذهب إلى الحج هربا من الأسئلة التي تنتظره في بيته. لأن أصعب طواف قد لا يكون حول الكعبة. بل حول النّفس. وأصعب سعي قد لا يكون بين الصّفا والمروة. بل بين ما نؤمن به وما نمارسه. وأصعب رمي للجمرات ليس في منى. بل في مواجهة شياطين الأنانية والحسد والغرور المتخفية داخلنا. المشهد يبدو أحيانا غريبا إلى حدّ الإدهاش. ملايين البشر يتحركون في دوائر هائلة حول بيت واحد. لكن كثيرين منهم يعودون إلى حياتهم وهم يدورون حول أصنام أخرى لا ترى. صنم المال. صنم الصورة. صنم المصلحة. صنم السلطة. صنم الأنا. كأن الأصنام القديمة غادرت الصحراء لتستقرّ داخل النفوس. وهذا ربما ما يجعل الحجّ في عصرنا أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.

لقد أصبح الوصول إلى مكّة أسهل من الوصول إلى القلب. وأصبح حجز رحلة للحجّ أسهل من مصالحة أخ قاطعته سنوات. وأصبح الوقوف بعرفة أيسر من الوقوف أمام الذات بلا أقنعة. الحجّ الحقيقي ربما لا يبدأ في المطار. ولا ينتهي عند العودة. إنه يبدأ عندما يقرر الإنسان أن يتوقف عن ظلم الناس. أن يرد الحقوق. أن يرحم. أن يعفو. أن يصل رحمه. أن يتحوّل إلى مصدر نور لا إلى مستهلك للشعائر. فالذين يطعمون الجائعين، ويواسون المنكسرين، ويحفظون كرامة آبائهم وأمهاتهم، ويصلحون بين المتخاصمين، ويمشون في الأرض بقلوب متواضعة… هؤلاء يمارسون شكلا من الحجّ اليومي إلى الله. أمّا من يقطع آلاف الكيلومترات نحو مكة بينما المسافات بينه وبين أهله تزداد اتّساعا، فذلك سؤال لا يجيب عنه الفقه وحده، بل يجيب عنه الضمير.

لا أحد يعلم ما يدور بين العبد وربه. ولا أحد يملك حق الحكم على إيمان الناس أو نيّاتهم. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الله الذي دعا الناس إلى الحجّ، دعاهم قبل ذلك إلى الرحمة. وأن البيت الحرام لم يبنَ ليكون محطة لتبييض الخطايا، بل مدرسة لإعادة بناء الإنسان. فليس السؤال الأهم: كم حاجّا عاد هذا العام؟ السؤال الأعمق هو: كم روحا عادت مختلفة حقّا؟ وكم قلبا عاد أخفّ مما ذهب؟ وكم إنسانا عاد من مكة حاملا الله في سلوكه، لا في أمتعته فقط؟ هناك، عند تلك النقطة الخفيّة بين الشعيرة والتحوّل، يبدأ الحجّ الذي لا تراه الكاميرات، ولا تكتبه التقارير، ولا تحتفي به المطارات. إنّه الحجّ الذي يحدث داخل الإنسان… أو لا يحدث أبدا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *