حين يتصافح ظلّ الأطلس مع روح النيل؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليست العلاقات بين المغرب ومصر مجرد تقاطع دبلوماسي بين دولتين عربيتين كبيرتين، ولا هي مجرد تبادل تجاري يبحث عن أرقام أكبر أو أسواق أوسع. إننا أمام ظاهرة جيوسياسية أكثر تعقيدا وعمقا؛ أمام لقاء بين جغرافيتين صنعتا التاريخ قبل أن تصنعهما الخرائط، وبين دولتين تمثلان، كل بطريقته، ذاكرة المكان وعبقرية الاستمرار. فالمغرب، ذلك الكائن الجيوسياسي الذي يقف عند آخر اليابسة وأول الحلم، لم يكن يوما مجرد دولة في أقصى الغرب الإفريقي، بل كان دائما بوابة الحضارات ومرآة المحيط ووسيطا بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي. أما مصر، فهي ليست فقط دولة النيل، بل فكرة تاريخية متواصلة منذ آلاف السنين، حضارة نجحت في تحويل الجغرافيا إلى قدر، والنهر إلى فلسفة للبقاء. وعندما يقترب هذان الكيانان من بعضهما البعض، فإن الأمر لا يشبه توقيع اتفاقيات أو مذكرات تفاهم فحسب؛ بل يشبه تحرك صفائح التاريخ العميقة تحت سطح السياسة اليومية.

لقد اعتاد كثيرون النظر إلى العلاقات الدولية من زاوية الأرقام: حجم المبادلات، نسبة النمو، عدد الاتفاقيات. غير أن التحولات الكبرى لا تبدأ من الجداول الإحصائية، بل من إدراك الدول لموقعها داخل حركة العالم. وهذا بالضبط ما يبدو أن الرباط والقاهرة بدأتا في استيعابه بوضوح استراتيجي لافت. العالم الذي نشأ بعد الحرب الباردة يتداعى أمام أعيننا. مراكز القوة التقليدية لم تعد تمتلك القدرة نفسها على التحكم في الاقتصاد العالمي. أوروبا تبحث عن مصادر جديدة للأمن الطاقي. إفريقيا تتحول تدريجيا إلى ساحة المنافسة الكبرى في القرن الحادي والعشرين. سلاسل الإمداد العالمية تعيد رسم نفسها بعد الأزمات المتلاحقة. وفي خضم هذا التحول العاصف، تدرك الرباط والقاهرة أن المستقبل لن يكون للدول التي تستهلك الجغرافيا، بل للدول التي توظفها.

هنا تحديدا يظهر المعنى الحقيقي للتقارب المغربي المصري. المغرب لا يقدّم لمصر مجرد سوق جديدة، بل يقدّم لها منفذا استراتيجياً نحو غرب إفريقيا وأوروبا الأطلسية. ومصر لا تمنح المغرب مجرد شريك تجاري إضافي، بل تفتح أمامه فضاءات المشرق والخليج والقرن الإفريقي وعمق البحر الأحمر. إنها معادلة نادرة في العلاقات الدولية: دولتان لا تتنافسان على الموقع نفسه، بل تتكاملان جغرافيا واقتصاديا. ولعل أجمل ما في هذه العلاقة أنها لا تقوم على منطق الهيمنة، بل على منطق التشابك الذكي للمصالح. فالمغرب يملك واحدة من أكثر البنيات اللوجستية تطورا في إفريقيا، ويكفي أن نتأمل موقع طنجة المتوسط لنفهم كيف تحولت المملكة إلى عقدة بحرية عالمية تربط أكثر من مئة وثمانين ميناء عبر العالم. وفي المقابل، تمتلك مصر واحدة من أهم البوابات البحرية في التاريخ الإنساني من خلال قناة السويس، ذلك الشريان الذي تمر عبره حركة التجارة العالمية كما يمر الدم في شرايين الجسد.

ومن زاوية أعمق، يبدو أن البلدين يكتشفان اليوم أن القرن الحادي والعشرين لا يُربح بالموارد الخام وحدها، بل بالقدرة على إنتاج القيمة المضافة. ولذلك فإن الحديث عن التكامل الصناعي ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو جوهر المشروع المشترك. فالسيارات والمنظومات الصناعية وسلاسل الصناعات الغذائية والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والذكاء الاصطناعي ليست قطاعات اقتصادية فحسب، بل أدوات لإعادة توزيع النفوذ داخل القارة الإفريقية. ولعل الزيادة الكبيرة في المبادلات التجارية خلال السنوات الأخيرة ليست سوى عرض خارجي لتحول أعمق يجري داخل عقل الدولتين. فالقاهرة والرباط بدأتا تنتقلان من منطق “التبادل” إلى منطق “الإنتاج المشترك”، ومن مفهوم السوق إلى مفهوم المنصة الإقليمية. وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: ماذا يحدث لو نجح هذا المشروع فعلا؟

الجواب قد يغير خريطة شمال إفريقيا بأكملها. لأول مرة منذ عقود طويلة يمكن أن يظهر محور اقتصادي عربي إفريقي يمتد من الأطلسي إلى النيل، قادر على التفاوض مع أوروبا من موقع الشريك لا التابع، ومع إفريقيا من موقع المساهم في التنمية لا الباحث عن النفوذ فقط. إننا أمام إمكانية ولادة فضاء اقتصادي جديد يجمع بين الموانئ المغربية العملاقة والممرات البحرية المصرية الاستراتيجية، وبين الخبرة الصناعية المغربية والقوة الإنتاجية المصرية، وبين العمق الإفريقي للمملكة المغربية والثقل الديمغرافي والحضاري لمصر. لكن السياسة، كما يعلمنا التاريخ، لا تتحرك فقط بقوانين الاقتصاد. فهناك بعد آخر لا يقل أهمية: البعد الجيوسياسي.

إن الدعم المصري المتجدد للوحدة الترابية للمغرب لا يمكن فصله عن هذا السياق الأشمل. فالدول الكبرى لا تبني شراكات استراتيجية طويلة الأمد في ظل غموض سياسي أو تضارب في الرؤى. ومن ثم فإن تقارب المواقف حول قضايا الاستقرار الإقليمي يعكس وعيا متزايدا لدى العاصمتين بأن الأمن السياسي والاندماج الاقتصادي وجهان لعملة واحدة. لقد كتب الفيلسوف هيغل أن التاريخ لا يتحرك في خطوط مستقيمة، بل عبر جدل دائم بين القوى والأفكار. ولو نظر إلى ما يجري اليوم بين الرباط والقاهرة لربما رأى فيه لحظة تركيب جديدة بعد عقود من التباعد النسبي والتعاون المحدود. أما دوستويفسكي، ذلك الساحر الروسي الذي كان يرى أرواح الأمم خلف الأحداث اليومية، فربما كان سيكتب أن المغرب ومصر لا يلتقيان لأن المصالح تفرض ذلك فقط، بل لأن ذاكرة الحضارات القديمة تستيقظ مجددا في زمن القلق العالمي. ففي عالم تتآكل فيه اليقينيات، تعود الدول العريقة إلى اكتشاف ذاتها. المغرب يعود إلى دوره كجسر بين القارات. ومصر تعود إلى دورها كمركز ثقل بين البحار والحضارات.

وبين الجسر والمركز يولد مشروع جديد. مشروع لا يقوم على الشعارات، بل على الموانئ والمصانع والطاقة والمعرفة. ولا يستند إلى الحنين للماضي، بل إلى هندسة المستقبل. ولهذا فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت العلاقات المغربية المصرية ستتطور، بل إلى أي مدى يمكن لهذا التطور أن يعيد تشكيل موازين القوة الاقتصادية والسياسية في إفريقيا والمتوسط خلال العقود المقبلة. فإذا نجحت الرباط والقاهرة في تحويل هذا الزخم إلى مؤسسات دائمة ومشاريع مشتركة عابرة للحدود، فإننا قد نكون أمام أحد أهم التحولات الجيوستراتيجية في المنطقة منذ بداية القرن الحالي. عندها لن يكون المغرب مجرد بوابة إفريقيا، ولن تكون مصر مجرد قلب العالم العربي. بل سيصبحان معا معمارَي فضاء جديد يمتد من أمواج الأطلسي إلى ضفاف النيل، ومن أسواق غرب إفريقيا إلى مرافئ أوروبا، فضاء تصنع فيه الحضارات القديمة أدوات المستقبل، ويكتب فيه التاريخ صفحة جديدة بحبر المصالح والعقل والاستشراف، لا بحنين الذكريات وحده.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “حين يتصافح ظلّ الأطلس مع روح النيل؟

  1. نتمنى أن تتسارع تدابير تنزيل هذه الاتفاقية لأن الزمن الذي يجتم على ذهنية الشعوب فيما يتعلق بحاجياتها يقتضي العجلة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *