بقلم زكية لعروسي, باريس
في عالم تتصدر فيه الحروب نشرات الأخبار، وتحتل الأزمات الاقتصادية واجهات الصّحف، يبدو صعود السياحة المغربية وكأنّه يروي قصّة مختلفة تماما. قصّة بلد اختار أن يبني بدل أن يهدم. أن يستثمر بدل أن ينتظر. أن يخطّط بدل أن يراهن على الصّدفة. فحين يستقبل المغرب أكثر من 7,7 ملايين سائح خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، فإن الرقم لا يجب أن يقرأ باعتباره مجرّد مؤشر سياحي، بل باعتباره مؤشرا استراتيجيا على تحولات أعمق تمسّ صورة المملكة ومكانتها الإقليمية والدّولية. السائح لا يشتري تذكرة سفر فقط. إنه يصوت بثقته. وحين يختار ملايين الأشخاص وجهة معينة، فإنّهم يمنحونها شهادة غير مكتوبة عن الأمن والاستقرار والجاذبيّة.أصبح السيّاح يأتون إلى المملكة لا بحثا عن الشّمس فقط، بل بحثا عن نموذج للاستقرار في عالم مضطرب؟
السياحة ليست قطاعا اقتصاديا فقط… هذا أحد أكثر الأخطاء شيوعا في فهم السّياحة. ففي الاقتصاد الحديث، السّياحة لم تعد مجرد فنادق ومطاعم وشواطئ. بل أصبحت صناعة سيّادية. وأداة قوة ناعمة. ومؤشّرا على مكانة الدّول. فالدّولة التي يثق فيها المستثمر غالبا ما يثق فيها السائح أيضا. والدّولة التي يشعر فيها الزائر بالأمان تصبح أكثر قدرة على جذب الرّساميل والاستثمارات الدولية. من هنا فإنّ النّمو السّياحي المغربي يعكس نجاحا يتجاوز القطاع نفسه. إنّه يعكس نجاح نموذج كامل.

كثير من الدول تملك مواقع جغرافية ممتازة. لكنّ القليل فقط يعرف كيف يحوّلها إلى قيمة اقتصادية. المغرب لم يعد مجرّد نقطة على خريطة العالم. بل أصبح جسرا بين قارتين. يقف عند التقاء: أوروبا. إفريقيا. العالم العربي. المحيط الأطلسي. البحر الأبيض المتوسط. هذه الجغرافيا الاستثنائية لم تعد مجرّد قدر تاريخي. بل تحولت إلى مشروع تنموي متكامل. فالمطارات الحديثة. والطّرق السيّارة. والموانئ الكبرى. وشبكات القطار والبنية التّحتية. جعلت المملكة أكثر قربا من العالم من أيّ وقت مضى. فلماذا يختار السائح المغرب؟
الجواب ليس بسيطا كما يبدو. فالمنافسة في السياحة العالمية أصبحت شرسة. ولم يعد المناخ الجميل كافيا. السائح الحديث يبحث عن معادلة معقدّة: الأمان, الجودة, السعر , والتجربة الثقافية. والمغرب استطاع أن يقدّم هذه العناصر مجتمعة. في يوم واحد يمكن للزائر أن ينتقل من مدينة عتيقة عمرها قرون إلى منشآت حديثة تضاهي المعايير الدولية. يمكنه أن يعيش التاريخ في أزقة فاس، ويشاهد الحداثة في الرباط، ويختبر الدّينامية الاقتصادية في الدّار البيضاء ويستمتع بالسّحر الأطلسي في الصويرة أو يلامس أفق الصحراء في الداخلة. قلّة من الدّول تملك هذا التنوّع داخل حدودها. في التّحليل الاقتصادي التّقليدي يتمّ الحديث كثيرا عن النّاتج الدّاخلي الخام والاستثمارات والصادرات. لكن هناك رأسمال آخر أكثر أهميّة: الثقة. والثقة لا تشترى. بل تبنى عبر سنوات طويلة.

خلال العقدين الأخيرين، استطاع المغرب ترسيخ صورة دولة مستقرة وسط بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب. وهذا العامل وحده يفسر جزءا كبيرا من النّمو السياحي الحالي. فالسّائح الأوروبي أو الآسيوي أو الأمريكي لا يشتري فقط إقامة فندقية. إنّه يشتري الشعور بالأمان. لقد تغيرت قواعد اللعبة. في الماضي كانت الدول تنفق الملايين على الإعلانات التقليدية. أمّا اليوم فقد تكفي صورة واحدة يلتقطها مؤثر عالمي في ساحة جامع الفنا أو على شاطئ الداخلة لتصل إلى عشرات الملايين من الأشخاص. لقد فهم المغرب مبكّرا أن الترويج السياحي لم يعد حكرا على المؤسسات. بل أصبح جزءا من الاقتصاد الرقمي العالمي. وأصبحت المدن المغربية تظهر يوميا على شاشات الهواتف حول العالم. هذه ليست دعاية. إنها قوة ناعمة رقمية. الأرقام الحالية مبشرة. لكن النجاح يحمل معه تحديات جديدة.
أوّلا: الجودة
كل زيادة في عدد السياح يجب أن ترافقها زيّادة في جودة الخدمات.
ثانيا: التكوين
العنصر البشري هو جوهر التجربة السياحية.
ثالثا: التوازن الجهوي
لا ينبغي أن تظل الاستفادة مركزة في مدن محددة فقط. فالمغرب العميق يملك كنوزا طبيعية وثقافية هائلة.
رابعا: الاستدامة
النجاح السياحي الذي يستهلك البيئة يفقد قيمته على المدى الطويل.
هنا يكمن البعد الأعمق. فالمغرب لا يبيع غرفا فندقيّة فقط. إنّه يصدّر صورة. ويصدّر نموذجا. ويصدّر فكرة. فكرة أنّ بلدا عربيا وإفريقيا يمكنه أن يجمع بين: الأصالة والحداثة. الهوية والانفتاح. التّراث والتنمية. الاستقرار والطّموح. وهذا في حدّ ذاته منتج استراتيجي نادر في عالم اليوم. السؤال لم يعد: كم عدد السّياح الذين سيزورون المغرب؟ بل: كيف يمكن تحويل هذا النّجاح السّياحي إلى قوّة اقتصادية وتنمويّة مستدامة لعقود قادمة؟ فالقيمة الحقيقيّة لا تكمن في عدد الوافدين. بل في القيمة المضافة التي يتركونها. وفي فرص العمل التي يخلقونها. وفي الاستثمارات التي يجذبونها. وفي الصورة الدّولية التي يعزّزونها.

ما يحدث في السياحة المغربية ليس طفرة عابرة. ولا نتيجة موسم استثنائي. بل ثمرة رؤية طويلة المدى جمعت بين الاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والانفتاح الثقافي والاستقرار المؤسسي. وفي زمن تتنافس فيه الدول على جذب الانتباه، يبدو أن المغرب نجح في جذب شيء أكثر أهمية: الثقة. والثقة هي العملة الأغلى في الاقتصاد والسياحة والسياسة معا. لقد أصبح المغرب بالنسبة لملايين الزّوار أكثر من وجهة سياحية. أصبح تجربة. وأصبح قصة. وأصبح نموذجا يثبت أن التنمية ليست ضربة حظ، بل حصيلة رؤية وصبر واستمرارية.
📲 Partager sur WhatsApp