“النْزَاهَة الشِّعرية” على ضفاف أمّ الربيع

بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي-المغرب

ليست كل الأمكنة صالحة لاستقبال الشعر؛ فثمة أماكن تكتفي باحتضان القصائد، وثمة أماكن تتحول هي نفسها إلى قصيدة. وعلى ضفاف نهر أم الربيع، بقبيلة أولاد اخليفة في الرحامنة، بدا المشهد وكأن الطبيعة استعادت لغتها الأولى، تلك اللغة التي سبقت الحروف، حين كان الماء ينحت إيقاعه في الصخر، وكانت الأشجار تنشد ظلالها، وكانت الريح أول شاعر عرفته الأرض. هناك، لم يكن الشعر ضيفا على المكان، بل عاد إلى بيته القديم.

الشاعرة زينة بويحيا

في زمن تستنزف الشاشات انتباه الإنسان حتى يكاد ينسى الإصغاء إلى نفسه، اختارت جمعية دار أولاد اخليفة للتضامن والبيئة أن تنحاز إلى ما هو أبقى: إلى الثقافة بوصفها فعلا من أفعال البناء، وإلى الشعر باعتباره إحدى أرقى صور العدالة الرمزية. فمنذ تأسيسها، لم تحصر الجمعية رسالتها في العمل الاجتماعي، رغم ما راكمته من مبادرات في تنظيم القوافل الطبية، والمساهمة في ترميم المساجد والمدارس والمقابر، بل آمنت بأنّ عمران الإنسان لا يكتمل بعلاج الجسد وحده، وإنما يحتاج أيضا إلى غذاء الروح، وإلى الكلمة التي تضيء الداخل كما يضيء الماء وجه السماء.

الشاعرة حليمة المجاهد

ومن هذا الأفق، وبتنسيق مع مؤسسة دار الشعر بمراكش، وتحت إشراف وزارة الشباب والثقافة والتواصل، احتضنت قبيلة أولاد اخليفة، يوم الثالث من يوليوز 2026، انطلاقة الدورة السادسة من “النزاهة الشعرية”، وهي مبادرة ثقافية دأبت دار الشعر على ترسيخها، إيمانا منها بأن القصيدة لا ينبغي أن تبقى أسيرة القاعات المغلقة، بل عليها أن تستعيد علاقتها بالأمكنة المفتوحة، حيث تتنفس اللغة هواءها الأول، وتستعيد الكلمة ألفتها مع التراب والماء والشجر. كان نهر أم الربيع، في تلك الأمسية، أكثر من خلفية طبيعية لاحتفال ثقافي. بدا كأنه شاعر صامت، يشارك الحاضرين تلاوة نصه الأزلي. وكانت المياه، وهي تمضي في هدوئها العميق، تمنح القصائد إيقاعًا آخر، كأن الكلمات كلما غادرت أفواه الشعراء، حملها النهر في رحلته الطويلة نحو البحر، لتواصل إنشادها في الجغرافيا المغربية كلها.

المكرّم في الوسط الدكتور والباحث عبد المجيد جحفا

في هذا الفضاء الرحب، تعاقبت الأصوات الزجلية لتنسج فسيفساء من الحس الشعبي والجمال اللغوي، حيث ألقى الزجالان حميد بنخي وعبد الله شوكا، وهما من أبناء قبيلة أولاد اخليفة، نصوصا استمدت نبضها من الذاكرة المحلية، ومن وجدان الإنسان المغربي، فيما أضاءت الشاعرة حليمة مجاهد الأمسية بقصائدها، بينما تولت الشاعرة زينة بويحيا، باسم دار الشعر بمراكش، إدارة فقرات اللقاء بحضور أنيق، جمع بين المعرفة وحسن التقديم. ولم يكن الاحتفاء مقتصرا على القصيدة وحدها، بل امتد ليشمل المعرفة أيضا، من خلال تكريم الباحث الدكتور عبد المجيد جحفا، أحد أبناء القبيلة، في التفاتة تؤكد أن الثقافة، في معناها العميق، نهر واحد تتفرع منه روافد الشعر والبحث والإبداع.

الزجال حميد بنخي

أمّا الموسيقى، فقد جاءت امتدادا طبيعيا للشعر، حين أتحفت مجموعة حمادة القادمة من ابن جرير الحضور بفقرات فنية، تماهت مع خرير المياه، حتى بدا المشهد كله وكأنّه أوركسترا مفتوحة تعزفها الطبيعة نفسها؛ الأشجار تصفق بأغصانها، والريح تضبط الإيقاع، والنهر يمنح الجميع طبقته الصوتية العميقة. إنّ ما جرى في أولاد اخليفة لم يكن مجرد نشاط ثقافي، بل إعلانا رمزيا بأن الأطراف قادرة على إنتاج مركزها الثقافي الخاص، وأن القرى ليست هوامش تنتظر اعتراف المدن، بل خزائن لذاكرة المغرب، وفضاءات خصبة يمكن أن يولد فيها الشعر كما يولد القمح، وأن تتفتح فيها القصيدة كما تتفتح السنابل بعد المطر.

الزجال عبد الله شوكا

لقد أعادت “النْزاهَة الشعرية” إلى الكلمة حقها في أن تقال تحت السماء، لا تحت الأسقف، وبين الأشجار لا بين الجدران، وفي حضرة الماء لا في عزلة المنابر. وهي بذلك لا تحتفي بالشعر فحسب، بل تعيد للإنسان صلته الأولى بالطبيعة، وتذكره بأن أجمل القصائد ليست دائما تلك التي تكتب بالحبر، بل تلك التي يكتبها اللقاء الصادق بين الإنسان ومكانه. وهكذا، غادرت القصائد ضفاف أم الربيع، لكن أم الربيع لم يغادر القصائد؛ ظل جاريا في استعاراتها، وفي أصوات شعرائها، وفي ذاكرة كل من شهد تلك الأمسية التي أثبتت أن الثقافة، حين تنبع من الأرض التي تحتضنها، تصبح أكثر من احتفال… تصبح شكلا من أشكال الحياة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *