والد كيرا… والكُودَاص الذي اختار لعب الضّاما

الحلقة الثالثة ضمن سلسلة: أسطورة النكتة في الحي المحمدي (المرحوم كيرا)

بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي-المغرب

لو أن الضحك يورث لكان المرحوم كيرا من أثرى أهل الحي المحمدي، ولو أن النكتة تباع وتشترى لكان يملك من خزائنها ما لا تملكه الأسواق. فقد كان رجلا فقيرا في الجيب، غنيا في الروح، يسير بين الناس بخفة عصفور ولسان لا يترك مناسبة تمر دون أن يزرع فيها ابتسامة. كان يسكن بحي سوسيكا، حيث البيوت المتواضعة تتجاور كما تتجاور القلوب، وحيث الفقر لم يكن يمنع الناس من الضحك، بل ربما كان الضحك هو الحيلة الوحيدة التي يقتاتون بها على قسوة الأيام. أما كيرا، فقد جعل من النكتة مهنة بلا أجر، ورسالة بلا خطب، ومدرسة لا تحتاج إلى سبورة ولا إلى مقاعد.

وكان قلبه، بعد عشقه للحي المحمدي، معلقا بفريق الاتحاد الرياضي البيضاوي، “الطاس”. يتابع مبارياته كما يتابع الفقيه دروس النحو، ويحلل أداء لاعبيه كما يحلل القاضي دفوع المتخاصمين. فإذا انتصر الفريق، مشى في الأزقة كأنه أحد صناع ذلك الانتصار، وإذا انهزم، وزع الانتقادات على اللاعبين والإداريين، ولم يكن المدرب الكبير العربي الزاولي، رحمه الله، يسلم من تعليقاته اللاذعة، وكأن الرجل ينتظر رأي كيرا قبل أن يرسم الخطة التكتيكية.

وذات يوم، وبعد جهد جهيد، جمع كيرا بعض الدراهم، واتجه إلى سوق الخردة، ذلك السوق الذي يمنح الأشياء عمرا ثانيا. وبين أكوام الملابس والأواني والأحذية المهترئة، لمح كنزا لا يراه غيره: حذاء رياضيا باليا… “كوداص”. أما غيره فرأى حذاء انتهى عمره، وأما كيرا فرأى فيه مستقبلا كرويا زاهرا، وربما تخيل نفسه به جناحا أيمن للطاس، يراوغ المدافعين ويهز الشباك، بينما الجمهور يهتف باسمه حتى تكاد أزقة الحي المحمدي تهتز طربا. عاد إلى البيت وهو يحمل الكوداص كما يحمل الأب مولوده الأول. خصص له مكانا بعيدا عن الأيدي العابثة، وصار يطمئن عليه كل صباح ومساء، حتى خيل لأهل البيت أن الحذاء أصبح فردا جديدا من العائلة، له مكانته وهيبته، وربما يحتاج هو الآخر إلى طبق عشاء.

وكان كلما خرج من البيت، ثم عاد إليه، لم يسأل عن الطعام، ولم يسأل عن الأهل، وإنما يتجه رأسا إلى ركن الكوداص، يطمئن عليه كما يطمئن التاجر على صندوق ماله. غير أن الأقدار كثيرا ما تضحك من حرص البشر. عاد كيرا ذات مساء، وتوجه إلى مكان الكوداص، فإذا المكان خال إلا من الغبار. نظر يمينا…ونظر شمالا…ثم أعاد النظر مرة ثالثة، لعل الحذاء قرر أن يختبئ. لكن الكوداص اختفى. وفي لحظة واحدة، انقلب البيت إلى محكمة، وكيرا إلى قاض غاضب، وارتفع صوته حتى ظنت الجارات أن كارثة حلت بحي سوسيكا.

– فين هو الكوداص؟

سأل أمه، وقد بدا في وجهه من الفزع ما لا يبدو إلا على من ضاعت منه ثروة وطنية. ابتسمت الأمّ في براءة وقالت:

– بّاك لبسو ومشى لراس الدّرب… كيلعب الضّاما.

وهنا كانت الفاجعة. لم ينتظر كيرا ثانية واحدة. خرج من البيت كالإعصار، يشق الأزقة بخطوات غاضبة، حتى بلغ الحلقة التي اعتاد متقاعدو الحي أن يقتلوا فيها الوقت بأحجار الضاما، بينما الوقت، في الحقيقة، هو الذي كان يقتلهم ببطء. كان والده جالسا في هدوء، متكئا على جنبه، غارقا في التفكير في نقلة قد تربح المباراة. لكن كيرا لم يكن يرى أحجار الضّاما. كان يرى شيئا واحدا فقط…الكوداص. الكوداص الذي اشتراه بعرق الدراهم، يستريح في قدمي والده بكل هدوء، وكأنه خلق أصلا لمجالس الضاما. اقترب كيرا، والناس ينظرون في فضول، ثم انفجر بصوته الذي كان يعرفه الحي كله، وصاح في وجه والده دون أن يرف له جفن:

“آ الوالد… هداك الكوداص راه ديال الكرة… ماشي ديال الضّاما!”

ساد صمت قصير…ثم انفجرت الحلقة كلها ضحكا. ضحك اللاعبون. وضحك المتفرجون. بل حتى والد كيرا، الذي كان قبل لحظات يناور بأحجار الضاما، وجد نفسه عاجزا عن الدفاع أمام منطق ابنه العجيب؛ فمنذ متى صار للحذاء الرياضي تخصص مهني يمنعه من الاشتغال خارج ملاعب الكرة؟ وهكذا، لم ينتصر كيرا في مباراة كرة قدم، لكنّه انتصر في مباراة أخرى لا تقل أهمية… مباراة صناعة الضحك. لقد كان يعرف، بالفطرة، أن النّكتة ليست كلاما يقال، بل موقف يولد في لحظة، ثم يعيش في ذاكرة الناس سنوات طويلة. ولذلك ظل اسمه، رغم مرور الزمن، يتردد في الحي المحمدي كلّما اجتمع الأصحاب، لأن بعض الرجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يتركون وراءهم ضحكة لا تشيخ.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *