الحرب في الشرق الأوسط: حكاية متشابكة

رئيسة التحرير زكية لعروسي: تحليل خاص لـ”جريدة الورقاء , 15- أبريل 2026

أولا: الموقف الصيني… حين تتحول التجارة إلى سيف ذو حدين

في مشهد يذكرنا بنظرية “معضلة السجين” التي صاغها الفلاسفة السياسيون، تلوح الصين بعصا الرد “الحازم” على واشنطن. بكين التي وقفت موقف المتفرج حينا، والمحلّل البارد حينا آخر، تجد نفسها اليوم على مفترق طرق وجودي. المتأمل في التصريح الصيني يجد دهاء كونفوشيوسيا لا مثيل له: فالتهديد برسوم جمركية انتقامية يأتي في توقيت بالغ الدقة، وكأن بكين تقول لواشنطن: “أنتم من علمتمونا أن العقوبات أداة سياسية، فها نحن نتفوق عليكم في لعبتكم الخاصة”. هنا نلمح عبقرية الفيلسوف الصيني سون تزو الذي قال منذ ألفين وخمسمائة عام: “أعظم انتصار هو ذلك الذي لا يحتاج إلى معركة”. فبكين تستخدم الاقتصاد كسيف، والسياسة كدرع، وإيران كورقة شطرنج متقنة.

ثانيا: باكستان… حكيم الصراع الذي لا يريد تاجا

في حركة تذكِّرنا بدور الوسيط التاريخي الذي لعبه السلطان العثماني سليم الأول بين الصفويين والعثمانيين، تحاول إسلام أباد إحياء روح مؤتمر “لاهور” الذي لم يعقَد بعد. باكستان، تلك الدولة التي ولدت من رحم الصراع الهندوسي-الإسلامي، تجد نفسها اليوم في موقع “الحكم الضروري” بين قطبين متناحرين. إنها تتصرف وكأنها تقرأ من كتاب “الأخلاق” لسبينوزا: “كل كائن يسعى للحفاظ على ذاته”. فبين جارتها إيران التي تشاركها حدودا شائكة، وحليفتها التاريخية أمريكا التي لا تزال تذكِّرها بأيام الحرب على الإرهاب، تحاول إسلام أباد أن تكون “الغصن الذهبي” الذي يلمع بين الأشجار المتصارعة.

ثالثا: إسرائيل ولبنان – رقصة التانغو على حافة الهاوية

“نريد السلام مع لبنان” يقول الإسرائيليون، وفي الوقت نفسه يسقط جندي لهم في جنوب الليطاني. هذه هي مفارقة الشرق الأوسط التي لا تنتهي، والتي استعصت على هجل وهيجل في “جدلية العبد والسيد”. لبنان اليوم يعيش انفصاما شخصيا فريدا: حكومته تمثل الدولة الرسمية، وحزب الله يمثل الدولة الموازية، والمواطن العادي يمثل الضحية الأبدية. إنها تراجيديا إغريقية بامتياز، حيث البطل (لبنان) يحاول الهروب من قدره، لكن القدر يطارده في كل زقاق بيروتي. المفارقة أن واشنطن تستضيف المفاوضات بينما ترسل إسرائيل جنودها إلى جنوب لبنان. إنها صورة كاريكاتيرية للحرب والسلام، تصلح لأن تكون لوحة لرسام سريالي مثل دالي: ساعات ذائبة فوق رمال الصحراء، ودبابات تتفاوض مع زيتونات الزمن.

رابعا: وزيرة الخزانة البريطانية… صوت العقل في غابة المجانين

ريتشيل ريفز تقف اليوم لتقول ما يفكر فيه نصف العالم لكنه لا يجرؤ على النطق به: “هذه الحرب جنونية بلا خطة خروج”. إنها تذكّرنا بفيلسوف التنوير فولتير الذي قال: “الرأي قادر على هزيمة العالم، لكنه بحاجة إلى جرأة قليلة”. لكن السخرية أن بريطانيا نفسها، التي تقف الآن لتنتقد “الجنون الأمريكي”، كانت قبل عقدين شريكة في “جنون” آخر في العراق. التاريخ يعيد نفسه، لكن هذه المرة البريطانيون يقررون أن يكونوا جمهور المسرح، لا ممثلين عليه. ريفلز تستخدم كلمة “العائلات حول العالم” عمدا، لأنها تدرك أن تكلفة الحرب لم تعد محصورة في الشرق الأوسط. أسعار النفط ترتفع هنا، والتضخم يضرب هناك، والجميع يدفع الفاتورة.

خامسا: إيطاليا…انسحاب ذكي من حلبة المصارعة

جورجيا ميلوني، تلك القائدة التي جاءت على موجة اليمين المتشدد، تفاجئ الجميع بقرار تعليق الاتفاق الدفاعي مع إسرائيل. إنها تشبه إلى حد كبير ما فعله موسوليني في 1943، لكن مع اختلاف جوهري: هذه المرة القرار ليس انتهازيا، بل محسوبا بدقة. المراقب المدقق يلاحظ أن إيطاليا لم تلغ الاتفاق، بل “علقت تجديده التلقائي”. هذه حيلة دبلوماسية بارعة تسمح لروما بالاحتفاظ بخياراتها مفتوحة. إنها تذكِّرنا بمقولة الفيلسوف الصيني القديم لاو تزو: “الماء الناعم يخترق الصخرة الصلبة، ليس بقوته، بل بإصراره”.

سادسا: أسعار النفط … نبوءة تحققت

“الله أكبر، الأسعار تنخفض!” يمكننا أن نسمع صرخة سائق التاكسي في باريس، والمزارع في بولندا، والمصنع في الصين. السوق تتنفس الصعداء بعد أن كانت على حافة الهاوية. لكن المفارقة هنا أن انخفاض الأسعار لم يأتِ بسبب زيادة الإمدادات، بل بسبب توقع “نهاية الحرب”! أي أن السوق تراهن على السلام لتنخفض الأسعار، بينما الحرب هي من رفعتها أصلا. إنها معادلة ملتوية تصلح أن تكون مسألة رياضية في امتحان الفلسفة: إذا كان أ = ب، وب = ج، فلماذا أ ≠ ج؟ الخبراء يتحدثون عن “تدمير الطلب”، وهي لغة اقتصادية تعني ببساطة: الناس لم يعودوا قادرين على الشراء. إنها مأساة إنسانية ترتدي ثوبا اقتصاديا

سابعا: مؤتمر أورموز… عودة إلى روح مؤتمر فيينا

ماكرون وستارمر يجتمعان افتراضياً لمناقشة مضيق أورموز، ذلك الممر المائي الذي يبدو من الخريطة وكأنه فتحة إبرة، لكنه في الواقع شريان الحياة الاقتصادي للعالم. “دول غير محاربة” هو الوصف الذي اختارته الرئاسة الفرنسية، وهي تنسى أن معظم دول العالم الآن “غير محاربة”، لكنها “محروقة” بسبب الحرب. إنه مثل قول “سننظم مؤتمراً للنباتيين في مسلخ”. المؤتمر يذكرنا بمؤتمر فيينا 1815 الذي أعاد رسم خريطة أوروبا بعد نابليون. الفرق أن مؤتمر 1815 عقِد بعد انتهاء الحرب، بينما هذا المؤتمر يعقَد خلال الحرب، وكأن الأطباء يجتمعون لتخطيط عملية جراحية بينما المريض لا يزال ينزف.

ثامنا: حزب الله…صوت الغائب الحاضر

نعيم قاسم يرفض المفاوضات ويصفها بـ”الاستسلام”، وكأنه يقرأ من كتاب “فن الحرب” لماو تسي تونغ: “العدو يتقدم، نحن نتراجع. العدو يتعب، نحن ننهار. العدو يتراجع، نحن نتقدم”. لكن السؤال الفلسفي هنا: هل يمكن أن تكون المفاوضات استسلاماً، أم أن رفض المفاوضات هو الانتحار؟ حزب الله يجد نفسه اليوم في موقف الملاكم الذي يرفض إشارة الحكم بالتوقف، فيستمر في توجيه اللكمات إلى الهواء. هناك تناقض آخر: حزب الله يرفض المفاوضات، لكن الحكومة اللبنانية تقبل بها. لبنان يذهب إلى واشنطن برجلين: رجل يحمل بطاقة دبلوماسية، وآخر يحمل بندقية. أي الرجلين سيعود؟ التاريخ وحده كفيل بالإجابة.

تاسعا: بكين تستمر في التصعيد الخطابي

“خطير وغير مسؤول” – هذه الكلمات التي وصفت بها الصين الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية، تحمل في طياتها انتقاداً ضمنياً لأمريكا، ودفاعاً ضمنياً عن إيران، وتذكيراً ضمنياً للعالم بأن الصين أصبحت لاعباً لا يمكن تهميشه. الحصار البحري، ذلك السلاح الذي استخدمته بريطانيا ضد أمريكا في 1812، واستخدمته أمريكا ضد كوبا وفيتنام، أصبح اليوم سلاحاً بيد واشنطن ضد طهران. والسخرية أن الصين، التي كانت ضحية الحصار الغربي بعد مجزرة ميدان تيانانمن، تقف اليوم لتدافع عن “حرية الملاحة”.إنه عالم معكوس، حيث الضحية السابقة تصبح المدافع عن الحرية، والجلاد السابق يصبح جلادا جديدا

عاشرا: إشكالية الطاقة…بين الإغراق والإعجاز

“قرض الوقود السريع” الفرنسي بقيمة 10 ملايين يورو لـ”مئات الشركات” يبدو كقطرة ماء في بحر ملتهب. الأرقام تتحدث: 5 آلاف إلى 50 ألف يورو لكل شركة، بفائدة 3.8%. إنه قرض صغير لمشكلة كبيرة. هنا نلمس الفجوة بين ما تحتاجه الأسواق وما تقدمه الحكومات. وكأنك تحاول إطفاء حريق غابة باستخدام زجاجة مياه معدنية. المؤلم أن هذا القرض مخصص أصلاً للنقل والزراعة والصيد، أي القطاعات التي تمس حياة الناس اليومية. فإذا كانت هذه القطاعات بحاجة إلى قروض لتوفير الوقود، فماذا عن القطاعات الأخرى؟

الحادي عشر: الحلم النووي الإيراني…عشرون عاما مقابل خمسة

هنا نصل إلى قلب الأزمة. أمريكا تطلب “وقفا لمدة عشرين عاما” للتخصيب، وإيران تعرض “خمسة أعوام فقط”. الفرق بين الرقمين هو الفرق بين السلام والحرب، أو ربما بين حلم وواقع. البرنامج النووي الإيراني هو “تفاحة الخلاف” التي بدأ كل شيء من أجلها. أمريكا تخشى من إيران نووية، وإيران تخشى من أمريكا غازية، وإسرائيل تخشى من الاثنين معا فيلسوف القانون كارل شميت قال: “السيادة هي من يقرر الاستثناء”. هنا، كل طرف يريد أن يكون صاحب القرار في “استثناء” الطرف الآخر. إيران تريد استثناء من القواعد الدولية لأنها “مهددة”، وأمريكا تريد استثناء من قواعد عدم الانتشار لأن إيران “خطيرة”.

الثاني عشر: تضحيات الجنود… الوجه الإنساني للأرقام

الجندي أورييل بيانكو، 30 عاما، سائق سيارة إطفاء، قتل في جنوب لبنان. رقم في نشرة عسكرية، لكنه كان إنسانا يحلم، ويخاف، ويحب. نحن نتحدث عن استراتيجيات ودبلوماسيات وأسعار نفط، لكننا ننسى أن وراء كل رقم جنديا يموت، وأما تبكي، وطفلا ينتظر عودة والده. الفلسفة الأخلاقية لـ”إيمانويل ليفيناس” تقول إن “وجه الآخر هو أول كلمة في المعرفة”. لكن في زمن الحرب، تصبح الوجوه مجرد أرقام، والأرقام مجرد إحصائيات، والإحصائيات مجرد فاصل في نشرة الأخبار.

الشرق الأوسط بين أسطورة سيزيف وحقيقة كامو

نحن أمام حرب لا تشبه الحروب السابقة. إنها حرب هجينة: اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية وإعلامية في آن واحد. وكأننا نقرأ رواية فرانز كافكا “المحاكمة”، حيث البطل يدان دون أن يعرف التهمة، والمحاكمة تجري دون أن يظهر القاضي. هل ستنتهي هذه الحرب؟ سؤال لا إجابة عليه. لكن الأكيد أن العالم بعدها لن يكون كما قبله. الأسعار تغيرت، والتحالفات تغيرت، والعقول تغيرت. ربما يكون هذا هو الدرس الوحيد المستفاد من تاريخ الحروب: الحرب لا تحل شيئا، لكنها تغير كل شيء. فليتذكر القادة ما قاله الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه: “من يحارب الوحوش عليه أن يحذر أن لا يتحول هو أيضا إلى وحش. وإذا طال نظره في الهاوية، فإن الهاوية تنظر إليه”.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الحرب في الشرق الأوسط: حكاية متشابكة

  1. مقال عميق بلغة أنيقة، ومؤسس على حكم فلسفية. لغة جد متطورة لنوع من الكتابة الصحافية. عين التحليل تأملية لمشاهد تراجيديا الشرق الاوسط الذي يمثل خشبة المسرح لصراع لا ينتهي وسوف لا ينتهي مادام ملف الشعب الفلسطيني وأرضه لم يحل، صراع بين ثلاث كاءنات تتصارع على موقع تحت شمس الشرقالاوسط، و كل بأسلوبه الخاص في الذهاء والمكر والخبث، كاءنات تقود السياسة بعين الاقتصاد وما يضمن تدفق حاجياتها إلى العالم، وهم الحمار ةدوالتنين والدب. أما خالتي اوروبا فهي كما يقول المثل” كتقلز من ورا الجلابة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *