حاشا أن يختزل المغرب في “هادوك حاشاكم”

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم تبدأ الحكاية هذه المرة من صهيل حصان في صحراء الجاهلية، بل من صهيل إلكترونيّ هائج في صحارى شبكات التواصل الاجتماعي، حيث صار المغرب، في نظر بعض الأصوات المأزومة، هدفا يوميا لعبارة واحدة تتكرر كتعويذة كراهية: «هادوك حاشاكم». بعد سنوات من محاولات السطو الرمزي على التراث المغربي، من القفطان إلى الزليج، ومن الأندلس الروحية إلى المطبخ والذاكرة واللباس والموسيقى، بدا وكأن الأمر لم يعد مجرد نزاع ثقافي حول عناصر حضارية تتقاطع فيها الجغرافيا والتاريخ، بل تحوّل إلى ما يشبه الرغبة المحمومة في محو الأصل نفسه، ثم معاقبته لأنه أصل. وحين تعجز بعض الخطابات عن صناعة المجد، تلجأ إلى محاولة تشويه مجد الآخرين. وهنا تبدأ الكارثة الأخلاقية. فالجريمة الثقافية لا تكتمل بسرقة التراث فقط، بل تبلغ ذروتها حين يهان شعب بأكمله بعبارة تقال عادة للتبرؤ من شيء محتقر. وهكذا، بعد محاولة الاستيلاء على الذاكرة، جاءت محاولة تلويث الكرامة.

المفارقة تكاد تكون سوريالية. كان الحديث عن نبذ العنف، وعن ضرورة بناء ثقافة سلام بين الأمم. لكن فجأة، انزلقت اللغة نحو هاوية البدائية، وخرجت كلمة «حاشاك» يلوّح بها في معبد التفاهة اللا بريئة (شبكات التواصل الاجتماعي). وهنا تحديدا، عاد شبح «داحس والغبراء». فالجاهلية لا تعود دائما بالسيوف؛ أحيانا تعود بالمفردات. وقديما، تحوّل سباق خيل إلى حرب أحرقت القبائل لأن الكرامة أديرت بعقلية الغضب لا الحكمة. واليوم، يتكرر المشهد بصورة أكثر بؤسا: خلافات ثقافية وسياسية تتحول إلى حملات إهانة جماعية، وكأن بعض العقول ما تزال تعيش داخل خيمة القبيلة بينما العالم يحاول بناء حضارة الحوار.

إنّ أن أشباح تلك الحرب القديمة ما تزال تتجوّل بيننا، لا فوق ظهور الخيل، في قاعات شيّدت أصلا لكي تنقذ الإنسان من بدائيته الأولى. وفي عصر، يفترض أن تتعانق فيه اللغات كما تتعانق الأنهار قبل البحر…يكثر الحديث عن العنف…عن ضرورة ترميم الإنسان المعاصر من تصدعات الكراهية، وعن بناء جسور فوق الخراب الرمزي الذي يلتهم العالم, حدث ما يشبه انكسار المرآة. فجأة، خرجت كلمة واحدة من فم مرتبك بالغضب: «هادوك (أهل المغرب)حاشاكم». كلمة صغيرة في ظاهرها، لكنها في باطنها تحمل تاريخا طويلا من الإقصاء الرمزي. فاللغة ليست بريئة كما يظن البسطاء؛ الكلمات ليست مجرد أصوات، بل خرائط أخلاقية تكشف ما تخفيه النفوس. وعندما تقال «حاشاكم» في سياق الحديث عن شعب كامل، فإنها لا تكون زلة لسان فحسب، بل انزلاقا نحو تصور يرى الآخر أدنى منزلة، أو كائنا يستثنى من دائرة التكريم الإنساني.

وما يستحق التأمل العميق، هو أن من استنجد بخطاب محاربة العنف، سقط في عنف اللغة. العنف لا يبدأ بالرصاص؛ إنه يبدأ حين يختزل الإنسان في نعت، أو يجرّد من كرامته بكلمة. لقد فهم نيتشه هذا مبكرا حين قال إن الكلمات قد تكون أخطر من السيوف، لأنها تعيش أطول. أما أبو العلاء المعرّي، ذلك الحكيم الذي رأى هشاشة البشر قبل قرون، فكان يدرك أن الإنسان قد يرفع راية الحكمة بينما يضمر في داخله جاهلية لم تغادره قط.

المغرب، يا سيدتي، ليس كائنا يقال له «حاشاك». المغرب تاريخ عبر منه الفينيقيون، وغنّت على سواحله حضارات المتوسط، وتصافحت في مدنه العربية والأمازيغية والأندلسية والإفريقية واليهودية. المغرب ليس شعارا عابرا في نزاع إلكتروني. إنه ذاكرة من العلم والفن والتصوف والعمارة والشعر. هو ابن بطوطة الذي سار على قدميه نحو العالم، وابن ابن رشد الذي أعاد للعقل هيبته، وابن لسان الدين بن الخطيب الذي جعل اللغة حديقة تمشي.

وحين يهان شعب بأكمله بكلمة، فإن الإهانة لا تصيب الشعب بقدر ما تكشف ضيق الأفق لدى من أطلقها. فالأمم العظيمة ليست بعدد من يصفق لها، بل بقدرتها على احترام المختلف. وقد علّمنا الجاحظ أن البلاغة ليست في ارتفاع الصوت، بل في سعة العقل. أما الفلاسفة الرواقيون، فكانوا يرون أن الإنسان الحقيقي هو من يربح نفسه قبل أن يحاول ربح المعركة. إن أخطر أشكال العنف ليست تلك التي تريق الدم فقط، بل تلك التي تحوّل الإنسان إلى موضوع للاحتقار. وهنا تصبح الكلمة قنبلة أخلاقية. ولهذا، فإن الدفاع عن الكرامة لا يكون بإعادة إنتاج الإهانة، ولا باستبدال الشتيمة بأخرى، لأن منطق «داحس والغبراء» يبدأ دائما من وهم الانتصار الرمزي. كل طرف يظن نفسه حارس الشرف الأخير، حتى ينتهي الجميع إلى خراب المعنى.

إن الثقافة ليست أن نحفظ أسماء الفلاسفة، بل أن نتعلم كيف نرى الإنسان داخل خصمنا. أما كلمة «حاشاك» نفسها، ففيها ما يستحق التأمل العجيب. إنها في أصلها محاولة لعزل المخاطَب عن شيء ينظر إليه باحتقار. لكن السؤال الفلسفي الذي يفرض نفسه هنا: من الذي يحتاج فعلا إلى التنزيه؟ هل يحتاج شعب كامل، بتاريخ وجغرافيا وثقافة، إلى أن ينزَّه من كلمة؟ أم أن الكلمة تكشف، في الحقيقة، الحاجة العميقة لدى قائلها إلى تنزيه ذاته من ضيقها الداخلي؟

وهنا، تنقلب العبارة على صاحبها. تصير «حاشاك» مرآة لا للمغاربة، بل لمن نطق بها. لأن الإنسان حين يعجز عن الارتقاء بالحوار، يلجأ إلى التصنيف. وحين يفشل في إقناع العقل، يحاول جرح الكرامة. لكن الكرامة الحقيقية لا تُجرح بكلمة؛ إنها فقط تكشف مستوى قائلها. لذلك، لا أقول ردّا على تلك العبارة سوى: حاشا المغرب أن يختزل. وحاشا الشعوب أن تقاس بانفعال عابر. وحاشا الثقافة أن تتحول إلى قبيلة. أما «حاشاك» الأخيرة… فهي ليست موجهة إلى المغرب، بل إلى كل روح ما تزال تعيش داحس والغبراء وهي تظن نفسها تتحدث باسم الحضارة.

📲 Partager sur WhatsApp

3 thoughts on “حاشا أن يختزل المغرب في “هادوك حاشاكم”

  1. عبارة معبرة عن ناطقيها فجاهلي التاريخ وفاقدي الهوية يتحولون إلى كلاب ضالة تنبح ولا تعض ينطبق عليهم مثلنا المغربي كلاب اتهد وما تقد او وما اتعض 😁
    دام لك التألق

  2. الكلمة قد تخدش الصورة، لأنها صادرة عن ” جارح” اي اللسان، فمنه يأتي الخدش الجارح. ومع ذلك فهي لا تقلع جذور انتروبولوجية شعب تاريخي. وهذا حال من لا شغل له ولا موضوع له سوى ” حضية” قافلة الغير وهي تسير بشموخ. هذا حالنا مع جار حشرتنا معه الجغرافيا. في النهاية الكلمة هي لمن يكتب التاريخ.

  3. المؤلم ليس فقط محاولة سرقة التراث، بل الوصول إلى مرحلة يُهان فيها شعب كامل بعبارات تحمل الاحتقار والكراهية. فالأمم العظيمة تبني مجدها بالإبداع والعمل، لا بمحاولة محو تاريخ الآخرين أو التشكيك في هويتهم. المغرب سيظل أعمق من حملات التشويه، لأنه ليس مجرد تراث يُنسب، بل حضارة متجذّرة في التاريخ والوجدان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *