عفو ملكي بلون التصوّف و الحكمة

بقلم الصحافي حيمري البشير, كوبنهاغن-الدنمارك.

في خطوة تعكس عمق الروابط التاريخية والروحية التي تجمع المملكة المغربية بجمهورية السنغال، أصدر جلالة الملك عفوا ملكيا ساميا شمل المتورطين في أحداث الشغب التي رافقت نهائيات كأس إفريقيا الأخيرة، وما خلفته من خسائر وأضرار مؤسفة. وقد لقيت هذه المبادرة الملكية صدى إيجابيا واسعا داخل السنغال، باعتبارها رسالة حكمة وتبصر، تؤكد حرص المغرب الدائم على صون علاقاته الأخوية مع الشعب السنغالي الشقيق.

ويأتي هذا العفو في سياق إقليمي حساس، حاولت فيه بعض الأطراف المعادية للمغرب التأثير على الموقف السنغالي من قضية الصحراء المغربية، عبر توظيف المال والدعاية المغرضة لدعم أطروحات الانفصال. غير أن القيادة السنغالية تنبهت سريعا إلى هذه المناورات، فجاءت قرارات سياسية حاسمة أكدت تمسك السنغال بعلاقاتها المتينة مع المغرب، لتتوج المبادرة الملكية هذا المسار بروح من التسامح والمسؤولية، حفاظا على ما يجمع البلدين من تاريخ مشترك وتعاون متين.

وترتبط العلاقات المغربية السنغالية بأبعاد تتجاوز السياسة والاقتصاد، لتلامس العمق الديني والروحي للشعبين، خاصة من خلال الروابط الوثيقة التي تجمع السنغاليين بالزوايا الصوفية بالمغرب، وفي مقدمتها الزاوية البوتشيشية بمدينة مداغ بإقليم بركان، إضافة إلى عدد من الزوايا الأخرى التي تستقطب آلاف الزوار والمريدين من السنغال ومختلف دول العالم.

وبحكم ارتباطي بالمنطقة، فقد عاينت شخصيا خلال المواسم السنوية التي تحتضنها الزاوية البوتشيشية حجم الحضور السنغالي، ومدى تعلقهم الروحي بالمغرب. فالسنغاليون، سواء داخل وطنهم أو في بلدان المهجر بأوروبا، يحافظون على هذا الارتباط المتين، ويعتبرون المغرب امتدادا روحيا وثقافيا لهم. وأستحضر هنا موقفا معبّرا خلال رحلتي الأخيرة إلى المغرب، حيث صادفت على متن الطائرة المتجهة عبر باريس شابة سنغالية تحمل الجنسية الفرنسية. وحين سألتها عن سبب زيارتها المتكررة للمغرب، أجابت بكل تلقائية بأنها تحرص على زيارة الزاوية البوتشيشية باستمرار لما تجده فيها من سكينة وتربية روحية. وأضافت أن عددا متزايدا من الشباب السنغالي المقيم بفرنسا أصبح يقصد المغرب للاستفادة من الدروس والدورات التكوينية التي تنظمها الزوايا المغربية، وهو ما يعكس عمق الارتباط الوجداني والديني الذي يكنه السنغاليون للمغرب.

إن العفو الملكي السامي من شأنه أن يمنح زخما جديدا للعلاقات الثنائية بين البلدين، ويغلق صفحة مؤسفة بروح من الحكمة والتسامح، كما يكشف في الوقت نفسه حجم المحاولات اليائسة التي تستهدف التشويش على متانة العلاقات المغربية السنغالية. وستظل الروابط الأخوية والروحية بين الشعبين أقوى من كل المناورات، بما يعزز وحدة الصف الإفريقي والتعاون بين بلدين جمعتهما المحبة والتاريخ والإيمان المشترك.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “عفو ملكي بلون التصوّف و الحكمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *