بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
في لا سيين سور مير، في إقليم فار الفرنسي، أغلقت السلطات مؤقتا مطعما للوجبات السريعة بعد أن وجدت ما يجعل المعدة تعيد النظر في صداقتها القديمة مع الشهية: محلات متسخة، صراصير، سوء في حفظ الأغذية، وأطعمة غير صالحة للاستهلاك. أمرت المحافظة بإغلاق المطعم إلى إشعار آخر، بعد أن كشف التفتيش عن مخالفات صحية متعددة. خبر صغير، في ظاهره. مطعم أغلق، وستفتح أبوابه حين تستوفي الشروط. وتنتهي الحكاية. لكن ماذا لو لم تكن الحكاية عن مطعم؟ ماذا لو كانت عن بطوننا؟
نحن نعيش في زمن صار فيه الإنسان يريد أن يأكل من دون أن يطبخ، ويشرب من دون أن يغلي الماء، ويعيش من دون أن ينتظر شيئا. لقد أصبح الجوع عارضا تقنيا، مثل ضعف شبكة الهاتف: تضغط على تطبيق، يصل الطعام، تفتح العلبة، وتأكل. لا تسأل كثيرا عما حدث للطماطم قبل أن تصير صلصة، ولا للحم قبل أن يستقر بين قطعتين من الخبز، ولا للزيت عن عدد المرات التي رأى فيها البطاطا قبل أن يرى وجهك. لقد نجح عصر السرعة في إقناعنا بأن الطبخ مضيعة للوقت. وهي، في الحقيقة، واحدة من أغرب عمليات الاحتيال الفلسفي التي ارتكبناها ضد أنفسنا.
فالطبخ ليس مجرد إعداد للطعام. الطبخ هو اللحظة التي يعرف فيها الإنسان ماذا سيدخل جسده. حين تطبخ، ترى البصل وهو يتحول، وتشم الزيت، وتغسل الخضار، وتلمس اللحم، وتعرف إن كان الطعام سليما أو يبعث على الشك. أما حين يأتيك الطعام في صندوق مغلق، فأنت لا تأكل الطعام وحده؛ أنت تأكل أيضا ثقة عمياء. والثقة العمياء، في المطابخ، قد تكون أكثر خطورة من الظلام. كانت جداتنا أقل ثراء منا، وأقل امتلاكا للأجهزة، وأبطأ منا بمراحل ضوئية، لكنهن كن يعرفن شيئا يبدو أننا نسيناه وسط وفرة الخيارات: الطعام لا يحب الكسالى. كانت الجدة ترى حفيدها يتهرب من المطبخ فتقول ما معناه إن من أراد أن يأكل شهيا فليتعب يديه. وكان المطبخ عندها ليس غرفة خلفية في البيت، بل مختبرا صغيرا للحياة: قدر يغلي، خبز ينتفخ، زيت يتنفس، أعشاب تفوح منها رائحة الأرض، ويد تعرف باللمس ما لا تعرفه التطبيقات بالأرقام. ثم جاء عصر الوجبة السريعة وقال لنا: لا تتعبوا. وصار «لا تتعب» شعارا حضاريا. لا تطبخ. لا تغسل. لا تقطع. لا تنتظر. لا تعرف. اطلب فقط. وهكذا انتقل الإنسان من مطبخ يرى فيه طعامه إلى علبة لا يرى داخلها إلا صورة شهية على الغلاف.
يا للمفارقة. لقد اخترعنا وسائل هائلة لمعرفة المريخ، وأجهزة تقيس نبض الأرض من الفضاء، وأقمارا صناعية تعرف مكان حبة رمل في صحراء بعيدة، ثم نجلس أمام شطيرة ونقول: لعل الأمور بخير. لكن ليست المشكلة في الوجبات السريعة نفسها. فليست كل وجبة سريعة قذرة، وليست كل مطاعم الوجبات السريعة أماكن للخطر. هناك مؤسسات تحترم قواعد النظافة وتخضع لرقابة صارمة، وهناك مطاعم صغيرة تقدم طعاما سليما ومحترما. المشكلة تبدأ حين تتحول السرعة إلى ذريعة لإخفاء ما لا ينبغي أن يختفي. فالمعدة لا ترى الشعار التجاري. المعدة لا تعرف إن كان المكان فاخرا أو شعبيا. ولا تقرأ تقييمات الأنترنت. إنها تعرف فقط ما دخلها.
وهنا تأتي الصراصير في هذه الحكاية مثل شخصية عبثية خرجت من مسرح سريالي لتسألنا سؤالا بسيطا: من الذي يعيش في مطبخنا حين لا نكون هناك؟ الصراصير لا تحتاج إلى فلسفة. يكفيها شق صغير، وحرارة، وبقايا طعام، وإهمال. أما نحن فنحتاج إلى تطبيق، ومؤثر على وسائل التواصل، وتصوير بطيء للجبن وهو يذوب حتى نقتنع بأننا نعيش حياة سعيدة. لقد أصبحت الصورة أهم من الحقيقة. صورة البرغر تلمع، والبطاطا تبتسم، والصلصة تنساب ببطء سينمائي، بينما الحقيقة قد تكون في مكان آخر تماما: في درجة حرارة ثلاجة، أو في يد لم تغسل، أو في طعام بقي طويلا حيث لا ينبغي أن يبقى. ولذلك فإن حادثة المطعم الفرنسي لا ينبغي أن تجعلنا نبحث عن «المذنب» فقط. ينبغي أن تجعلنا نسأل عن ثقافة كاملة: لماذا صار الإنسان مستعدا لأن يسلم أكثر الأشياء حميمية في جسده إلى مجهول لا يعرفه؟ نحن لا نشتري الطعام فقط. نحن نشتري الوعد بأن أحدا آخر سيتحمل عنّا مشقة الحياة.
وهذا هو جوهر الحكاية. فالوجبة السريعة ليست طعاما فقط؛ إنّها فلسفة زمن. إنّها تقول للإنسان: لا تؤجل رغبتك، لا تتعب، لا تنتظر، لا تطبخ، لا تنظف، لا تعرف. خذ الآن. لكن الجسد كائن محافظ على نحو مدهش. إنّه لا يعترف كثيرا بفلسفة السرعة. المعدة لا تعرف شيئا عن اقتصاد الوقت. والكبد لا يهتم بأنّ المطعم كان مزدحما. والأمعاء لا تصفق للذكاء التسويقي. الجسد لديه قانون قديم جدا: ما يدخل إليه يبقى جزءا منه، بطريقة أو بأخرى. وهنا نفهم لماذا تبدو أغنية «خبز وزيتون يشبعنا» اليوم كأنها رسالة وصلت من كوكب آخر. خبز وزيتون! عبارة تبدو، في زمننا، فقيرة إلى حد الإهانة. أين الجبن السائل؟ أين الصلصات السبعة؟ أين اللحم المفروم في طبقات؟ أين البطاطا التي تحتاج إلى قاموس كي تعرف أسماء الإضافات التي تغطيها؟
ومع ذلك، كان في خبز وزيتون شيء افتقدناه: المعرفة. كان الإنسان يعرف مصدر طعامه. يعرف الخبز، ويعرف الزيتون، ويعرف الزيت، ويعرف يدي المرأة التي عجنته، ويعرف الحقل الذي خرجت منه حبات الزيتون. اليوم، قد نأكل أكثر مما أكل أجدادنا، لكنّنا نعرف أقل ممّا عرفوا. وهذه هي المفارقة الغذائية الكبرى: كلما اتسعت قائمة الطعام، ضاقت معرفتنا بما نأكل. ربما لا نحتاج إلى العودة إلى عصر الخبز والزيتون، ولا إلى تحويل الجدة إلى وزيرة للصحة، ولا إلى إعلان الحرب على الهمبرغر. لكننا نحتاج إلى استعادة شيء بسيط للغاية: الشك. أن نسأل. أن نقرأ. أن نلاحظ. أن نعرف كيف يحفظ الطعام، ومن أعده، وهل المكان نظيف، وهل الرائحة طبيعية، وهل ما في الطبق يستحق أن يدخل أجسادنا. فالكسل عن الطبخ ليس دائما مشكلة أخلاقية، لكنه يصبح مشكلة حين يتحول إلى كسَل عن المعرفة أيضا. وجداتنا، اللواتي لم يكن لديهن «غوغل»، كن يعرفن ذلك بطريقة أخرى.
كانت الجدة تنظر إلى القدر وتعرف. تشم الزيت وتعرف. ترى لون الطعام وتعرف. أمّا نحن فنصور الطبق قبل أن نذوقه. ثم نضع له قلبا أحمر. لعل هذا هو أكثر ما يدعو إلى التأمل في قصة المطعم المغلق: ليست الصراصير وحدها هي التي ينبغي أن تزعجنا، بل تلك المسافة الغريبة التي صنعتها الحضارة بين الإنسان وطعامه. لقد جعلنا الطعام أكثر سرعة، وأكثر وفرة، وأكثر لمعانا. لكننا جعلناه أيضا أكثر غموضا. وفي نهاية الأمر، قد لا يكون السؤال: ماذا كان في ذلك المطعم؟ السؤال الأكثر إزعاجا هو: ماذا يوجد في الأشياء التي نأكلها كل يوم ولا نراها؟ هناك أشياء لا تستطيع المعدة أن تسأل عنها بعد فوات الأوان. لذلك، ربما كان خبز الجدة وزيتها وزيتونها أكثر حداثة مما نظن. كان الطعام يدخل من الباب الأمامي. أما اليوم، فندعه أحيانا يتسلل إلى أجسادنا من الباب الخلفي، في علبة جميلة، بابتسامة إعلانية، ومعه فاتورة. ونحن، من شدة استعجالنا، لا نسأل حتى من كان يسكن العلبة قبلنا.
