كييف… محجّ المتسابقين إلى الإليزيه

بقلم زكية لعروسي, باريس

في قلب السهوب التي ما زالت ترتجف تحت وقع المدافع، تقف كييف كنجمة جريحة ترفض الأفول. مدينة لم تعد مجرد عاصمةٍ لدولةٍ تخوض حرباً طويلة، بل تحوّلت إلى مسرح تتقاطع فوق خشبته خرائط القوة وطموحات الرؤساء وأقدار القارة العجوز. ومن بين ضباب السياسة الأوروبية، أخذت مواكب الطامحين إلى قصر الإليزيه تشق طريقها نحو ضفاف الدنيبر. كأن كييف أصبحت محطة لا بد منها في رحلة العبور إلى السلطة، أو كأن أبواب الرئاسة الفرنسية لم تعد تُفتح بالمهرجانات الانتخابية وحدها، بل أيضا بختم دبلوماسي ينتزع من أرض ما تزال تنزف.

إدوار فيليب مرّ من هناك. برونو روتايو سبقه أو لحقه. غابرييل أتال جعل من الرحلة عادة متكررة. ورافاييل غلوكسمان يعرف طرقات أوكرانيا منذ أن كانت ساحات الميدان تغلي بأحلام الثورة. أسماء مختلفة، لكن وجهتها واحدة: مدينة الحرب. غير أن المشهد لا يخص الفرنسيين وحدهم. ففي القصر الرئاسي الأوكراني، حيث تتكدّس الملفات الثقيلة مثل غيوم سوداء فوق الطاولة، يدرك فولوديمير زيلينسكي أن الحرب لا تخاض بالسلاح فقط. هناك معركة أخرى أكثر هدوءا وأشد دهاء: معركة المستقبل. كل مصافحة مع مرشح قد يصبح رئيسا غدا هي خيط جديد ينسج في شبكة الأمان الأوكرانية. وكل صورة تلتقط أمام الأنقاض تحمل وعدا ضمنيا بأن صوت كييف لن يضيع في ضجيج العواصم الغربية.

لقد تغيّر العالم. زمن الحملات الانتخابية المنغلقة داخل الحدود الوطنية يتلاشى مثل دخان قديم. فالرئيس المقبل لفرنسا لن يرث شؤون باريس وحدها، بل سيجد نفسه أمام قارة قلقة، وحدود مضطربة، وحرب لم تتوقف عن إعادة رسم الجغرافيا السياسية لأوروبا. ولهذا تبدو كييف اليوم أقرب إلى مختبر ضخم يختبر فيه المرشحون صورتهم الدولية. هناك، تحت صفارات الإنذار، يحاول كل واحد منهم أن يثبت أنه قادر على مخاطبة العالم، لا الناخب الفرنسي فقط.

أما بالنسبة لأوكرانيا، فإن الرهان أكبر من المجاملات الدبلوماسية. فالدعم الأوروبي أصبح شريانا أساسيا لبقائها. الأموال تتدفق، والتدريب العسكري يتواصل، والعقوبات على موسكو ما تزال تشكّل جزءا من جدار الضغط الغربي. وفرنسا، بثقلها السياسي والعسكري، تقف في قلب هذا المشهد مثل عمود من أعمدة المعبد الأوروبي. ومع ذلك، لا توزّع الابتسامات في كييف بالتساوي دائما. ليس كل زائر يحظى بلقاء الرئيس. وليس كل طامح إلى السلطة ينال اللحظة الرمزية ذاتها. أحيانا يحكم الوقت المزدحم هذه الاختيارات، وأحياناً أخرى تهمس الحسابات السياسية من وراء الستار. ففي زمن الحرب، حتى الدقائق القليلة التي يمنحها رئيسٌ لضيف أجنبي تصبح موردا نادرا يشبه الذهب.

ورغم اختلاف مواقف المرشحين الفرنسيين وتفاوت درجات حماسهم للملف الأوكراني، فإن الرسالة العامة تبدو واضحة: الإجماع على دعم كييف بات أوسع مما كان عليه في السنوات الأولى للصراع. وهكذا تستمر المدينة المحاصرة في أداء دورها الغريب. كييف ليست مجرد عاصمة تقاوم الغزو؛ إنها أيضاً نقطة جذب مغناطيسية تدور حولها طموحات الساسة الأوروبيين. مدينة تحوّلت من ساحة معركة إلى بوصلة سياسية، ومن خط دفاع عسكري إلى منصة تختبر عليها صدقية المرشحين. قد لا يكون زيلينسكي معنيا كثيرا بالدوافع الخفية وراء هذه الزيارات. فوسط هدير الحرب، تبدو القاعدة بسيطة وواضحة: كل صوت يرفع من أجل أوكرانيا هو مكسب، وكل حليف محتمل في الغد هو ذخيرة تخزن لشتاء سياسي قد يكون طويلا. هكذا تواصل كييف اجتذاب الزوار كما تجتذب النجوم السفن التائهة في البحار المظلمة؛ مدينة تقف على حافة النار، لكنها ما تزال قادرة على استدعاء العالم إليها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *