هل توجد حقا حزازات بين الرباطي والسلاوي؟

عبد الله شوكا, كاتب وصحافي – المغرب

ثمة مدن تفصل بينها مئات الكيلومترات، لكنها تبدو أقرب إلى بعضها من شقيقتين متجاورتين. وثمة مدينتان لا يفصل بينهما سوى مجرى مائي ضيق، ومع ذلك نسجت الذاكرة الشعبية حولهما حكايات لا تزال تتردد جيلا بعد جيل. هكذا تبدو الرباط وسلا؛ مدينتان تتقاسمان الضفتين، ويجمعهما التاريخ، ويباعد بينهما، في المخيال الشعبي على الأقل، شيء من الروايات التي لا يعرف أحد على وجه اليقين أين تنتهي الحقيقة فيها، وأين تبدأ الأسطورة. فبإلقاء نظرة على خريطة المغرب، يتبين أن العدوتين الرباط وسلا تكادان تكونان المدينة الواحدة، إذ لا يفصل بينهما سوى نهر أبي رقراق، الذي ظل عبر القرون شاهدا على تعاقب الدول والحضارات، ووسيطا بين ضفتين عاشتا معا التاريخ نفسه، وإن اختلفت ملامحهما العمرانية والاجتماعية.

فالرباط، باعتبارها العاصمة الإدارية للمملكة، ارتدت منذ عقود ثوب الدولة الحديثة. تحتضن القصر الملكي، والوزارات، والمؤسسات الدستورية، والسفارات الأجنبية، فضلا عن أحياء راقية أصبحت عنوانا للإدارة والقرار والسياسة. مدينة تبدو في كثير من تفاصيلها واجهة رسمية للمغرب، ومختبرا لمشاريع التهيئة والتحديث. أما سلا، الجارة الملاصقة، فقد سلكت مسارا مختلفا. فهي مدينة ذات عمق تاريخي وحضاري لا يقل شأنا عن الرباط، لكنها تواجه تحديات عمرانية واجتماعية متراكمة. فقد عرفت توسعا ديمغرافيا متسارعا، وامتدت أحياؤها الشعبية بوتيرة لافتة، الأمر الذي فرض ضغوطا كبيرة على البنيات التحتية والخدمات العمومية، وجعلها، في نظر كثير من المتتبعين، في حاجة إلى مزيد من الاستثمار والعناية التنموية حتى تواكب ما تعرفه جارتها من أوراش متواصلة.

ولا يحتاج الزائر إلى كثير من الوقت حتى يلاحظ الفوارق بين المدينتين. ففي الوقت الذي تنعم فيه الرباط بفضاءات حضرية منظمة ومرافق حديثة، ما تزال بعض أحياء سلا تنتظر نصيبها الكامل من التنمية، رغم ما تزخر به المدينة من رصيد تاريخي وإنساني وثقافي يجعلها إحدى أعرق الحواضر المغربية. ومن هنا، ربما، ولدت تلك الحكايات التي تتحدث عن “الحزازات” بين الرباطي والسلاوي، وهي روايات تناقلتها الأجيال أكثر مما وثقتها كتب التاريخ. ومن أشهر ما خلد تلك العلاقة الأغنية المعروفة التي أداها الفنان محمد الإدريسي، من كلمات الزجال الكبير الراحل أحمد الطيب العلج، بعنوان “أنا رباطي وانت سلاوي”، وهي أغنية تبدو، في جوهرها، دعوة إلى التقارب أكثر منها تكريسا للاختلاف، وإلى الاحتفاء بجوار فرضه التاريخ والجغرافيا.

وتحكي بعض الروايات الشعبية أن مدينة سلا، خلال فترات من التاريخ، كانت تحيط بها أبواب ضخمة تشكل المنافذ الوحيدة للدخول والخروج، مثل باب سبتة، وباب شالة، وباب الخميس، وباب المريسة، وباب شغفة. وكانت هذه الأبواب تغلق مع حلول المساء، فيسارع العاملون والتجار إلى العودة قبل إغلاقها، وهو مشهد تحول مع مرور الزمن إلى مادة للطرائف والتعليقات الشعبية، حتى قيل إن بعض أهل الرباط كانوا يمازحون جيرانهم السلاويين بسبب ذلك الهرول الجماعي قبل إغلاق الأبواب. كما تذهب روايات أخرى إلى الحديث عن نوع من التحفظ الاجتماعي المتبادل بين أبناء المدينتين، وهي حكايات يصعب التحقق من دقتها التاريخية، لكنها بقيت جزءا من الذاكرة الشفوية التي يرويها الكبار للصغار، شأنها شأن كثير من الحكايات التي ترافق المدن العريقة.

غير أن الواقع المعاصر يكشف صورة مختلفة تماما. فالرباط وسلا لم تعودا مدينتين منفصلتين بالمعنى التقليدي، بل أصبحتا فضاء عمرانيا واحدا تتداخل فيه الأسر، وتتقاطع فيه المصالح، وتتشابك فيه العلاقات الإنسانية والمهنية. آلاف المواطنين يعبرون يوميا بين الضفتين للعمل والدراسة والتجارة، دون أن يشعروا بأنهم يغادرون مدينة إلى أخرى. ويبقى نهر أبي رقراق، الذي ظنّه البعض يوما فاصلا بين المدينتين، أكبر شاهد على أنه تحول إلى جسر للمحبة لا إلى حاجز للمسافة. فالمراكب التقليدية، التي لا تزال تشق مياهه منذ عقود، لم تكن مجرد وسيلة للنقل، بل ظلت رمزا لوحدة المكان والإنسان، تنقل الوجوه نفسها، والأحلام نفسها، واللهجة نفسها، والحنين نفسه. وربما آن الأوان لأن تبقى تلك “الحزازات” حبيسة النوادر الشعبية، لا أكثر. فالرباط وسلا ليستا خصمين متجاورين، بل توأمان أنجبتهما ضفتا أبي رقراق، وتقاسمتا التاريخ والمصير. وإذا كان النهر قد قسم اليابسة، فإنه لم يستطع يوما أن يقسم القلوب. لا يوجد رباطي دون سلاوي، ولا سلاوي دون رباطي؛ كلاهما يكتبان، معا، فصلا من أجمل فصول الحكاية المغربية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *