بقلم محمد جميح ،كاتب وديبلوماسي يمني- لندن
البارحة التقيت الراعية عند جسر واترلو…
فارتجف الجسر تحت خطانا،
وانحنى الليل قليلا ليستمع.
كانت “مايا” تعزف أغنية غجرية
تجر خلفها قوافل الحنين،
وكانت روحي تضبط إيقاعها
على ارتعاش أصابعها الخفية.
وفي البعيد، دقت ساعة بيغ بن،
فارتعش قلب ربوة مكسوة بالأزهار البرية،
وتمايل الرمل
كما لو أن جلال الدين الرومي
ما زال يدور في فلك العشق الأبدي.
وفجأة، ارتفعت صحراء صيهَد
وسط مياه نهر لندن،
كأن الذاكرة شقت الماء
وأخرجت وطنا من الأعماق.
هنا ولدت،
وهنا تشققت الرمال
عن القصائد و الحذاء،
وهنا مرت الراعية
وتركت آثار قدميها على الرمل،
آثارا لم تستطع الريح محوها.
وهنا أيضا كانت تبسط سجادتها الخضراء
وتصلي كأنها آخر ما تبقى
من يقين الأرض.
الرعاة هذه الليلة
يحيون سهرتهم في المايفير،
والدراويش يهيمون
ككائنات خارجة من أسطورة على ضفة التايمز.
أما كيميا فكانت تناوِلنا كؤوسا
لا إثم فيها ولا ندم،
بينما كانت مايا تغني بصوت بعيد:
شربنا على ذكر الحبيب مدامة
سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم
قلت للراعية:
كم سافرت بحثا عنك…
حتى تحولت، من فرط الإبحار إليك،
إلى سفينة تائهة لا ميناء لها.
قالت بهدوء يشبه المطر:
وكم انتظرتك…حتى صرت من طول الانتظار
شاطئا مهجورا لا ترسو عليه سوى الريح.
قلت مبتسما:
أنا القطار الذي ظل يسافر إليك في كل زمان.
فابتسمت وقالت:
وأنا المحطة التي ظلت تنتظرك في كل مكان.
قلت وأنا أحدق في عينيها:
ها نحن أخيرا نلتقي.
نظرت إلي بدهشة غامضة،
ثم قالت:
يخيل إليك فقط…
قلت مرتبكا:
لم أفهم.
فقالت بصوت يشبه بابا يفتح في الحلم:
ستفهم…
عندما يحين اللقاء.
📲 Partager sur WhatsApp