بقلم زكية لعروسي, باريس
في السياسة، العبرة بمن يبقى واقفا عندما ينقشع الغبار. التصريحات الصادرة عن وزير الداخلية الفرنسي، وما رافقها من مؤشرات على استئناف التعاون الأمني والهجروي بين باريس والجزائر، لا تبدو مجرد تفصيل إداري عابر في سجل العلاقات الثنائية. إنها أشبه بمرآة كبيرة وضعت فجأة في منتصف الطريق، فاضطرت الأطراف جميعها إلى النظر في وجوهها الحقيقية بعيدا عن مساحيق الخطابات الحماسية وصخب المنابر.
يقول المثل المغربي: “اللّي دار راسو كبير كيبان ليه السقف قصير.” وفي العلاقات الدولية، كثيرا ما تتحول المبالغة في تقدير أوراق الضغط إلى قفص ذهبي يحبس صاحبه قبل خصمه. لقد راهنت الجزائر، وفق كثير من القراءات، على أن أدواتها التقليدية في إدارة الأزمات مع فرنسا ستظل فعالة كما كانت في مراحل سابقة. غير أن العالم تغير. فرنسا اليوم ليست فرنسا الأمس، والجزائر ليست جزائر الطفرة النفطية، والمنطقة بأكملها تتحرك فوق صفائح جيواستراتيجية جديدة. هنا يبرز السؤال الأعمق: هل كانت الأزمة في حقيقتها مواجهة بين دولتين؟ أم مواجهة بين تصورين مختلفين للزمن السياسي؟
تصور يعتقد أن التاريخ وحده يكفي لصناعة النفوذ، وآخر يعتقد أن النفوذ هو قدرة الدولة على تحويل مصالحها إلى وقائع. الفيلسوف الألماني هيغل كان يرى أن التاريخ لا يتحرك بالعواطف بل بمنطق الضرورة. أما ابن خلدون فقد سبق الجميع حين أشار إلى أن الدول لا تضعف فقط عندما تخسر مواردها، بل عندما تصبح أسيرة أوهامها عن نفسها. ومن هنا تبدو أهمية اللحظة الراهنة. فالقضية لم تعد مرتبطة باتفاقية هنا أو آلية تعاون هناك، بل بسؤال أكبر: كيف يمكن لدولة أن تحافظ على خطاب سيادي مرتفع النبرة بينما تزداد حاجتها الموضوعية إلى التعاون مع القوى الدولية في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد؟
إنها معادلة شائكة تشبه محاولة الإمساك بالماء والنار في اليد نفسها. أما المغرب، الذي تابع هذه التطورات بهدوء الواثق لا بانفعال المتوجس، فيقدم نموذجا مختلفا في إدارة التحولات الدولية. لقد اختار منذ سنوات الاستثمار في الشرعية الدبلوماسية طويلة المدى، وبناء الشراكات الاستراتيجية، وتوسيع شبكة الثقة مع القوى المؤثرة عالميا. ولعل قضية الصحراء المغربية تمثل المثال الأبرز على هذا المسار؛ فالمملكة لم تعتمد سياسة الصراخ، بل سياسة التراكم. لم تراهن على الانفعال، بل على الزمن. ولم تجعل من الخلافات عقيدة، بل جعلت من المصالح جسورا. وهنا نستحضر حكمة مغربية عتيقة تقول:“الزربة على صلاح كتجيب الندامة.”
فالسياسة ليست سباقا إلى ردود الفعل، بل فن بناء النتائج. لكن يبقى السؤال الأكثر إثارة للعقل: إذا كانت الأزمات المتكررة بين باريس والجزائر تنتهي دائما تقريبا إلى العودة لطاولة التعاون، فلماذا تستنزف كل هذه الطاقة في صناعة القطيعة؟ وهل أصبح التصعيد غاية في ذاته، أم مجرد طقوس سياسية لإدارة الرأي العام الداخلي؟ ثم ماذا عن المستقبل؟ هل نحن أمام نهاية مرحلة كاملة من دبلوماسية الشعارات؟ أم أمام هدنة مؤقتة ستسبق عاصفة جديدة؟ لا أحد يملك جوابا يقينيا. غير أن المؤكد أن العالم لم يعد يكافئ الدول التي تتقن لغة الاعتراض أكثر من لغة الاقتراح. لقد دخلنا عصر قدرة الدول على إنتاج الحلول، لا إنتاج الخصومات. وفي هذا العالم الجديد، قد لا يكون السؤال: من انتصر؟ بل: من فهم قواعد اللعبة الجديدة قبل الآخرين؟
📲 Partager sur WhatsApp