كوبا: التاريخ يحاكم في لحظة جنون كونيّ

بقلم زكية لعروسي, باريس

لم نعد نفهم شيئا. العالم صار يشبه حانة قديمة في ميناء معطوب، يتشاجر فيها القراصنة على خرائط احترقت منذ قرون، بينما يجلس التاريخ في الزاوية يبكي بصمت مثل عازف كمان أعمى نسيه الجميع. ها هي الولايات المتحدة، في ذروة هذا الجنون الكونيّ، تفكّر في ملاحقة راوول كاسترو، الرجل الذي تجاوز الرابعة والتسعين، كأنّ الإمبراطوريات حين تشيخ تبدأ في محاكمة الأشباح بدل مراجعة المرايا. أيُّ عالم هذا الذي صار يفتّش في أرشيف الدم البعيد ليصنع من شيخ هرم معركة انتخابية جديدة؟ وأيُّ منطق هذا الذي يجعل التاريخ يقاد إلى المحكمة مكبّلا بأصفاد السياسة؟

لقد اختلط الحابل بالنابل حقا. صار العالم مثل طاحونة فقدت قمحها وأخذت تطحن الهواء. منذ سنوات، لم تعد السياسة الدولية تدار بالعقل، بل بالغريزة، بالثأر، بالاستعراض، وبذلك النوع من المسرح الإمبراطوريّ الذي يحتاج دائما إلى عدوّ قديم كي يقنع الجماهير بأنّ الوحش ما يزال خارج الأسوار. لكن كوبا ليست ملفا في وزارة. كوبا ليست جزيرة فقط. كوبا استعارة كونية. كوبا هي آخر سيجار مشتعل في فم القرن العشرين. هي تلك السفينة الكاريبية التي ظلّت تبحر ضدّ العاصفة بينما كانت الإمبراطوريات تغيّر خرائطها مثل مقامر يبدّل أوراق اللعب.

منذ فيديل كاسترو، لم تكن كوبا مجرّد نظام سياسي، بل تحوّلت إلى أسطورة جيوسياسية، إلى شجرة مانغروف تتحدّى المدافع بجذورها، إلى طائر فلامنغو أحمر يقف وسط المحيط متحديا الصيادين. وحين سقط الاتحاد السوفياتي، ظنّ كثيرون أنّ هافانا ستنهار مثل بيت من تبغ، لكنها بقيت واقفة، جائعة أحيانا، متعبة أحيانا، لكنها واقفة، كأنّ الثورة هناك نوعا من الكبرياء الاستوائيّ. الولايات المتحدة لم تغفر لكوبا شيئا. لم تغفر لها أنّها جزيرة صغيرة رفعت إصبعها في وجه الإمبراطورية. ولم تغفر لها أنّها نجت طويلا من الاختناق. في التراث العربي مثل قديم يقول: «الذئب لا ينسى من نظر إليه في عينه.» وهذا ما حدث بالضبط.

منذ أزمة الصواريخ، والعينان ما تزالان معلّقتين فوق البحر الكاريبيّ مثل مدفعين صدئين. لكن ما يحدث اليوم يتجاوز كوبا نفسها. إنه يكشف أزمة العالم الحديث. العالم الذي صار يحاكم الماضي لأنه عاجز عن صناعة المستقبل. أمريكا الترامبية لا تريد فقط إدارة السياسة، بل تريد تحويل التاريخ إلى حلبة مصارعة. كلّ شيء هناك صار عرضا تلفزيونيا: الحروب، العقوبات، الحدود، العدالة، حتى الدم. الرئيس يتحوّل إلى مقدم برنامج، والقضاء إلى ميكروفون، والدول إلى ديكورات متحركة في استوديو ضخم اسمه “العالم الحر”.

لكنّ أخطر ما في الأمر ليس ترامب وحده. بل ذلك التصحّر الأخلاقيّ الذي أصاب البشرية. صرنا نعيش زمنا تقاس فيه العدالة بميزان القوة، لا بميزان الحقيقة. زمنا يستطيع فيه الأقوياء إعادة كتابة التاريخ كما يعيد طفل غاضب ترتيب دماه. من يجرؤ اليوم على محاكمة الاستعمار نفسه؟ من يحاكم الحروب التي ابتلعت العراق؟ من يحاكم المقابر التي زرعتها الإمبراطوريات في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية؟ لماذا يصبح التاريخ مقدّسا حين يخصّ الأقوياء، ومباحا حين يخصّ الآخرين؟

الجاحظ كتب يوما، بمعناه العميق، أنّ السلطة إذا أفرطت في قوتها أصابها العمى. والمتنبي، ذلك العرّاف العربيّ الذي كان يرى خراب الممالك قبل وقوعه، قال: “وظلم ذوي القربى أشد مضاضة”. لكن العالم اليوم لم يعد يعرف حتى من هم “ذوو القربى”. كلّ الأمم صارت يتيمة داخل هذا السوق الكونيّ الهائل. حتى الإنسان نفسه أصبح مشروع رقم اقتصاديّ. أما كوبا…فهذه الجزيرة المتعبة، التي تشبه امرأة عجوزا تضع وردة حمراء في شعرها رغم الفقر، فإنها لا تحاكم اليوم بسبب حادثة قديمة فقط،
بل لأنها ظلّت طويلا رمزا لفكرة خطيرة: أنّ بإمكان الضعفاء أن يقولوا “لا”. وهذا ما تخشاه الإمبراطوريات دائما.

في الحكايات العربية القديمة، كان الحكّام يخافون الشعراء أكثر من الجنود، لأنّ القصيدة كانت قادرة على إفساد هيبة العرش. وكوبا، منذ عقود، لم تكن سوى قصيدة سياسية طويلة في وجه القوة. قصيدة متعبة، ناقصة، مليئة بالأخطاء، لكنها عنيدة. لهذا يبدو المشهد اليوم سرياليا إلى حدّ الفجيعة: إمبراطورية نووية تلاحق شيخا في الرابعة والتسعين، بينما العالم يغرق في الحروب، والجوع، والخراب البيئي، والجنون الرقمي، وصعود الكراهية. كأنّ البشرية كلّها أصبحت سفينة “تيتانيك”، لكن الركّاب بدل أن يبحثوا عن النجاة، يتشاجرون على صورة القبطان.

لم نعد نفهم شيئا فعلا. اختلط الحابل بالنابل. واختلطت العدالة بالاستعراض، والسياسة بالانتقام، والتاريخ بالإعلانات الانتخابية. لكن شيئا واحدا ما يزال واضحا وسط هذا الضباب: حين تبدأ الإمبراطوريات بمحاكمة الأشباح، فهذا يعني غالبا أنّها تخاف من المستقبل أكثر مما تخاف من الماضي.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “كوبا: التاريخ يحاكم في لحظة جنون كونيّ

  1. امريكا أو لما يستيقظ حنين رعاة البقر للدفع لاحتلال بقع جديدة على الارض، ولو بارتكاب جراءم ضد الإنسانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *